أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
1098
العمدة في صناعة الشعر ونقده
فمنهم من يجيد وصف شيء ، ولا يجيد وصف آخر ، ومنهم من يجيد الأوصاف كلها ، وإن غلبت عليه الإجادة في بعضها ، كامرئ القيس قديما ، وأبى نواس في عصره ، والبحترىّ ، وابن الرومي في وقتهما ، وابن المعتز ، وكشاجم ، فإن هؤلاء كانوا متصرفين مجيدين للأوصاف « 1 » . - وليس بالمحدث من الحاجة إلى أوصاف الإبل ونعوتها ، والقفار ومنابتها ، وحمر الوحش ، والبقر ، والظّلمان ، والوعول - ما بالأعراب ، وأهل البادية ؛ لرغبة الناس في الوقت عن تلك الصفات ، وعلمهم أن الشاعر إنما يتكلّفها تكلّفا ؛ ليجرى على سنن / الشعراء قديما ، وقد صنع ابن / المعتز ، وأبو نواس قبله ، ومن شاكلهما في تلك / الطريق ما هو مشهور في أشعارهم ، كرائية الحسن في الخصيب « 2 » ، وجيميّة ابن المعتز « 3 » المردفة في الضرب الثاني من الكامل . - والأولى بنا في هذا الوقت صفات الخمر « 4 » ، والقيان ، وما شاكلها « 5 » ، وما كان مناسبا لها « 6 » ، كالكئوس ، والقنانى ، والأباريق ، وتفاح التحيّات ، وباقات الزهر ، إلى ما لا بد منه من صفات الخدود ، والقدود ، والنهود ، والوجوه ، والشعور ، والريق ، والثغور ، والأرداف ، والخصور ، ثم صفات الرياض ، والبرك ، والقصور ، وما شاكل المولدين . فإن ارتفعت البضاعة فصفات الجيوش ، وما يتصل بها من ذكر الخيل والسيوف ، والرماح ، والدروع ، والقسىّ ، والنّبل ، إلى نحو ذلك من ذكر الطبول ، والبنود ، والمنجوفات « 7 » ، والمنجنيقات .
--> ( 1 ) في المطبوعتين ومغربية : « الأوصاف » . ( 2 ) انظرها في ديوان أبى نواس 480 ( 3 ) انظرها في ديوان ابن المعتز 2 / 51 ( 4 ) هذا من العجب العجاب أن يكون هذا هو الأولى ، وكأن كل أبواب الشعر أغلقت ، ولم يبق منها إلا الخمر المحرمة تحريما قاطعا ! ! ( 5 ) في ف والمطبوعتين والمغربيتين : « وما شاكلهما » . ( 6 ) ف ف والمطبوعتين ومغربية : « لهما » . ( 7 ) المنجوفات : المعرّضات ، من نجف السهم : عرّضه ، والنجيف : السهم العريض الواسع الجرح . انظر اللسان في [ نجف ] . -