أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
734
العمدة في صناعة الشعر ونقده
باب الاتساع « 9 » - / وذلك أن يقول الشاعر بيتا يتسع فيه التأويل ، فيأتي كل واحد بمعنى ، وإنما يقع ذلك لاحتمال اللفظ ، وقوّته ، واتساع المعنى ، من ذلك قول امرئ القيس « 1 » : [ الطويل ] مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا * كجلمود صخر حطّه السّيل من عل فإنما أراد أنه يصلح للكرّ والفرّ ، ويحسن مقبلا ومدبرا ، ثم قال : « معا » أي : جميع ذلك فيه ، وشبّهه في سرعته ، وشدة جريه وحضره « 2 » بجلمود صخر حطّه السيل من أعلى الجبل ، وإذا انحطّ من عل « 3 » كان شديد السرعة ، فكيف إذا أعانته قوة السيل من ورائه ؟ ! وذهب قوم - منهم عبد الكريم - إلى أن معنى قوله : « كجلمود صخر حطّه السيل من عل » إنما هو الصلابة ؛ لأن الصخر عندهم كلما كان أظهر للشمس والريح كان أصلب « 4 » . وقال بعض من فسّره من المحدثين : إنما أراد الإفراط ، فزعم أنه يرى مقبلا مدبرا « 5 » في حال واحدة عند الكر والفر لشدة سرعته ، واعترض على نفسه ، فاحتج « 6 » بما يوجد / عيانا ، فمثّله بالجلمود المنحدر من قنّة « 7 » الجبل ، فإنك ترى ظهره في النّصبة « 8 » على الحال التي ترى فيها بطنه ، وهو مقبل إليك ، ولعل هذا
--> ( 9 ) انظره في تحرير التحبير 454 ، والمنزع البديع 429 ( 1 ) ديوان امرئ القيس 19 ، وانظره بما قيل عنه في تحرير التحبير 454 ( 2 ) سقط قوله : « وحضره » من المطبوعتين فقط . والحضر : ارتفاع الفرس في عدوه . ( 3 ) في المطبوعتين فقط : « من عال » . ( 4 ) في ف فقط بعد هذا : « وزعم بعض المتعقبين أنه جبل بعينه اسمه عل » . ( 5 ) في ف والمغربيتين : « ومدبرا » . ( 6 ) في ع والمطبوعتين فقط : « واحتج » . ( 7 ) القنّة : أعلى الشئ . ( 8 ) النّصبة : واحدة النّصب بمعنى الارتفاع ، وقيل : النّصب : السير اللّيّن .