أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

44

العمدة في صناعة الشعر ونقده

باب من رفعه الشعر ومن وضعه - إنما قيل في الشعر : « إنه يرفع من قدر الوضيع الخامل « 1 » ، مثل ما يضع من قدر الشريف الكامل ، وإنه أسرى مروءة الدنى ، وأدنى مروءة السرى « 2 » » لأمر ظاهر غاب عن بعض الناس ، فتأوله شرّ « 3 » التأويل ، فظنه مثلبة ، وهو منقبة ؛ وذلك أن الشعر لجلالته يرفع من قدر الخامل إذا مدح به ، مثل ما يضع من قدر الشريف إذا اتخذه / مكسبا ، كالذي يؤثر من سقوط النابغة الذبياني بامتداحه النعمان بن المنذر « 4 » ، وتكسّبه عنده بالشعر ، وقد كان أشرف بنى ذبيان . هذا ، وإنما مدح النعمان قاهر العرب ، وصاحب البؤس والنعيم « 5 » ، وكاشتهار عرابة الأوسي « 6 » بشعر الشمّاخ بن ضرار « 7 » ، وقد

--> ( 1 ) في المطبوعتين : « . . . الوضيع الجاهل » . ( 2 ) هذا الجزء الأخير من استشهاد أبى عمرو بن العلاء ، جاء بعد حديثه عن مكانة الخطيب والشاعر ، ولما بين أن الشاعر لما تكسب بالشعر تسرع إلى أعراض الناس قال : ولذلك قال الأول : « الشعر أدنى مروءة السرى ، وأسرى مروءة الدنى » . انظر البيان والتبيين 1 / 241 وانظره في التمثيل والمحاضرة 184 ( 3 ) في ف : « فأوله » ، وفي خ : « فتأوله أشد » بالدال المهملة ، وفي م : « فتأوله أشذ » بالذال المعجمة . ( 4 ) يقول أبو عمرو بن العلاء في مجال حديثه عن التكسب بالشعر : « فلما كثر الشعر والشعراء ، واتخذوا الشعر مكسبة ورحلوا إلى السوقة ، وتسرعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر » ، ثم يقول : « ولقد وضع قول الشعر من قدر النابغة الذبياني ، ولو كان في الدهر الأول ما زاده ذلك إلا رفعة » . البيان والتبيين 1 / 241 ( 5 ) في هامش م قال المحقق : « في ظاهر العبارة أن المؤلف يعتبر ممدوح النابغة هو صاحب يومى البؤس والنعيم ، وهذا باطل ؛ فإن ممدوح النابغة هو النعمان بن المنذر ، وصاحب اليومين هو المندر بن ماء السماء » وهذا التعليق حق ، ولكن المحقق لم يذكر السبب في وقوع المؤلف في هذا الخطأ ، والسبب يبدو واضحا حين نقرأ في كتابي ابن قتيبة « الشعر والشعراء 1 / 267 » و « المعارف 649 وما بعدها » فقد وقع ابن قتيبة في ذات الخطأ ، مما يجعلني أعتقد أن خطأ ابن رشيق مرتب على خطأ ابن قتيبة ، وانظر تعليق محقق الشعر والشعراء . ( 6 ) هو عرابة بن أوس بن قيظى ، شهد يوم أحد ، فاستصغر ، فرد ، وشهد غزوة الخندق ، كان أبوه من كبار المنافقين ، ولكن عرابة كان سيدا من سادات قومه كريما . المعارف 330 ، والاشتقاق 445 ، والاستيعاب 3 / 1238 ( 7 ) هو الشماخ بن ضرار بن حرملة بن سنان المازني الذبياني الغطفاني ، شاعر مخضرم ، ويقول صاحب الخزانة : اسمه معقل بن ضرار ، والشماخ لقبه ، شهد القادسية ، وتوفى في موقعة موقان سنة 22 ه -