أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
29
العمدة في صناعة الشعر ونقده
صلى اللّه عليه وسلّم : « هؤلاء النفر أشدّ على قريش من نضح النبل » « 1 » ، وقال لحسان بن ثابت : « اهجهم « 2 » - يعنى قريشا - فو اللّه لهجاؤك أشدّ عليهم من وقع السهام في غلس الظلام ، اهجهم « 2 » ، ومعك جبريل روح القدس ، والق أبا بكر يعلمك تلك الهنات » « 3 » . - فلو أن الشعر حرام ، أو مكروه ، ما اتّخذ النبىّ صلى اللّه عليه وسلّم شعراء يثيبهم على الشعر ، ويأمرهم بعمله ، ويسمعه منهم . - وأما قوله عليه الصلاة والسلام : « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه « 4 » خير له من أن يمتلئ شعرا » « 5 » فإنما هو في من غلب « 6 » الشعر على قلبه ، وملك نفسه ، حتى شغله عن دينه ، وإقامة فروضه ، ومنعه من ذكر اللّه تعالى ، وتلاوة القرآن « 7 » ، والشعر وغيره مما جرى هذا المجرى من شطرنج
--> ( 1 ) هذا جزء من حديث طويل عن ابن رواحة ، وكعب بن مالك ، وحسان . انظره في البخاري ومسلم . ( 2 - 2 ) ما بين الرقمين سقط سهوا من ناسخ ص ، والزيادة من ف والمغربيتين والمطبوعتين ، وفي المطبوعتين : « لهجاؤك عليهم أشد » . ( 3 ) سبق أن أشرت إلى الحديث الوارد في هذا الشأن ، ولا بأس من إعادته ، فقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضى اللّه عنها أنها قالت : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أو ينافح ، ويقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : إن اللّه يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وانظره مع اختلاف في بعض الألفاظ في الترمذي 8 / 63 ، وأبى داود 5015 ، وانظر الأغانى 4 / 137 ، وزهر الآداب 1 / 25 - 26 ( 4 ) في ف : « حتى يراه » ، ويبدو أن هذا من « الرئة » . وفي تفسير القرطبي 13 / 150 وفي غريب الحديث 1 / 35 : يريه من الورى وهو أن يروى جوفه أي يأكل القيح جوفه . ( 5 ) انظر هذا الحديث في البخاري 8 / 45 ، وأبى داود 4 / 302 ، في كتاب الأدب ، وفي مسلم 4 / 1769 في كتاب الشعر ، وجميعها تتفق في المعنى وإن اختلفت فيها بعض الألفاظ ، وانظر ما قيل عنه في غريب الحديث لأبى عبيد القاسم ابن سلام 1 / 34 - 36 ، والمسند لأحمد بن حنبل 2 / 39 و 96 و 3 / 3 و 8 / 41 ، وانظر دلائل الإعجاز 16 وتفسير القرطبي 13 / 150 . ( 6 ) في م : « فإنما هو من غلب . . . » . ( 7 ) قال القرطبي كلاما في هذا يبدو أن ابن رشيق اقتبسه منه ، فقد قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 13 / 151 : « إن هذا الحديث ينصب على من غلب عليه الشعر ، وامتلأ صدره منه ، واشتغل به عن العلم ، وأعرض بسببه عن الذكر ، وخاض به في الباطل » . وكان السهيلي ممن تأولوا في هذا الحديث مستندا إلى ما ذهبت إليه السيدة عائشة رضى اللّه عنها من أن المقصود بالشعر الوارد في هذا الحديث إنما هو الشعر الذي هجى به الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لا الشعر -