أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

581

العمدة في صناعة الشعر ونقده

[ الطويل ] وإنّى لأغنى الناس عن متكلّف * يرى الناس ضلّالا وليس بمهتدى « 1 » فكأنه قال : وهو ضال ، فجانس في الباطن ، وإن كان قد طابق في الظاهر . - ومن هذا الباب قولك : فاعل ومفعول ، نحو « خالق ومخلوق ، وطالب ومطلوب » ، هما « 2 » ضدان في المعنى ، وإن تجانسا في اللفظ ، وكذلك ما كان اسم الفاعل منه « مفعل » ، واسم المفعول « مفعل » ، مثل : مكرم ، ومكرم ومعط « 3 » ، ومعطى ، وما جرى هذا المجرى ، أو زاد عليه في البناء . - وأما قولك : قضيت ، واقتضيت ، فظاهره تجنيس ، وباطنه طباق ، إلا أنه طباق غير محض ، وكذلك قولك : أخذت ، وأعطيت ؛ لأن الأخذ ضدّه التّرك ، والإعطاء ضده المنع ، « 4 » فهذا مما يظنه من لا يحسن طباقا ، وليس كما ظن ، ولكنه كثر جدا في الكلام ، واستعمله الناس « 4 » ، كما تقدم من قولنا في الحلم والجهل ، والجمال والقبح . - ومما / ظاهره تجنيس ، وباطنه طباق الوعد والوعيد ، كما قال الشاعر « 5 » : [ الطويل ] وإنّى وإن أوعدته أو وعدته * لأخلف إيعادى وأنجز موعدي « 6 » - وأول ما يعتدّ « 7 » به في هذا الباب قول امرئ القيس « 8 » :

--> ( 1 ) ديوان قيس بن الخطيم 73 ، وانظره في طبقات ابن سلام 1 / 230 ، والبيان والتبيين 2 / 18 ، وكفاية الطالب 166 ، وجاء في ديوان عدى بن زيد 197 في الشعر الذي ينسب إليه وإلى غيره نقلا عن العمدة . ( 2 ) في ع فقط : « وهما » . ( 3 ) في خ : « ومعطى » ، والصواب ما في باقي النسخ : لأن الياء تحذف من اسم الفاعل هنا ما لم تدخل عليه « أل » أو يضاف ، أو يكون منصوبا . ( 4 - 4 ) ما بين الرقمين جاء في ع هكذا : « فهذا مما يظنه من لا يحسن طباقا ، ولكنه كثر جدا في الكلام ، وليس كما ظن ، واستعمله الناس . . . » . ( 5 ) هو عامر بن الطفيل كما في ديوانه 58 ، وجاء دون نسبة في عيون الأخبار 2 / 142 و 3 / 144 ( 6 ) في الديوان : « وإنّى إن أوعدته . . . » ، وفي ف والمطبوعتين وعيون الأخبار : « لمخلف إيعادى ومنجز . . . » ، وما في ع وص والمغربيتين يوافق الديوان . ( 7 ) في ص : « يقتدى به » . ( 8 ) ديوان امرئ القيس 186 ، وانظر ما قيل عن البيت في الموازنة 1 / 298 ، وسر الفصاحة -