أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

11

العمدة في صناعة الشعر ونقده

وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [ سورة يس : 69 ] ، ويرى أنه قد أبلغ في الحجة ، وبلغ الحاجة . - والذي عليه في ذلك أكثر مما له ؛ لأن اللّه عز وجل « 1 » إنما بعث رسوله أمّيّا غير شاعر إلى قوم يعلمون منه حقيقة ذلك ، حين استوت الفصاحة ، واشتهرت البلاغة ، آية للنبوة ، وحجة على الخلق ، وإعجازا بالقرآن « 2 » للمتعاطين ، وجعله منثورا ليكون أظهر برهانا بفضله « 3 » على الشعر الذي من عادة صاحبه أن يكون قادرا على ما يحبه من الكلام ، وتحدّى جميع الناس من شاعر وغيره بعمل مثله ، فأعجزهم ذلك ، كما قال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ سورة الإسراء : 88 ] فكما أن القرآن أعجز الشعراء ، وليس بشعر ، كذلك أعجز الخطباء ، وليس بخطبة ، « 4 » والمرسّلين ، وليس بترسيل « 4 » ، وإعجازه الشعراء أشدّ برهانا ، ألا ترى العرب « 5 » كيف نسبوا النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلى الشعر لما غلبوا ، وتبين عجزهم ، فقالوا : هو شاعر ؛ لما في قلوبهم من هيبة الشعر ومخافته « 6 » ، وأنه يقع منه ما لا يلحق ، والمنثور ليس كذلك ، فمن هاهنا قال اللّه تعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [ سورة يس : 69 ] ، أي لتقوم عليكم الحجة ، ويصحّ قبلكم الدليل ، ويشد « 7 » ذلك رواية

--> ( 1 ) في المطبوعتين : « لأن اللّه تعالى » . ( 2 ) قوله : « بالقرآن » ساقط من المطبوعتين . ( 3 ) في المطبوعتين : « لفضله » . ( 4 - 4 ) في م : « والمترسلين وليس بترسل . . » . الرّسل والرّسلة : الرفق والتؤدة ، والترسّل من الرّسل في الأمور والمنطق كالتمهل والتوقّر والتثبّت ، والترسل كالرّسل ، والترسل في القراءة والترسيل واحد ، وهو التحقيق بلا عجلة ، وقيل : بعضه على إثر بعض ، وترسل في قراءته اتأد فيها ، وفي الحديث : كان في كلامه ترسيل ، أي ترتيل ، يقال : ترسل الرجل في كلامه ومشيه إذا لم يعجل ، وهو والترسل سواء ، وفي حديث عمر رضى اللّه عنه : إذا أذنت فترسل ، أي تأن ولا تعجل . انظر اللسان في [ رسل ] في أماكن متفرقة . ( 5 ) سقطت كلمة « العرب » من المطبوعتين . ( 6 ) في ف والمطبوعتين : « وفخامته » . ( 7 ) في المطبوعتين : « ويشهد لذلك » .