أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

9

العمدة في صناعة الشعر ونقده

باب في فضل الشعر « 8 » العرب أفضل الأمم ، وحكمتها أشرف الحكم ، لفضل « 1 » اللسان على اليد ، والبعد من « 2 » امتهان الجسد ، وخروج « 3 » الحكمة عن الذات بمشاركة الآلات ؛ إذ لا بد للإنسان من أن يكون تولى ذلك بنفسه ، أو احتاج فيه إلى آلة أو معين من جنسه . وكلام العرب نوعان : منظوم ، ومنثور ، ولكل نوع منهما ثلاث طبقات : جيدة ، ومتوسطة ، ورديئة . / فإذا اتفق الطبقتان في القدر ، وتساويا « 4 » في القيمة ، ولم يكن لإحداهما فضل على الأخرى ، كان الحكم للشعر ظاهرا في التسمية ؛ لأن كلّ منظوم أحسن من كل منثور من جنسه في معترف العادة . ألا ترى أن الدّرّ - وهو أخو اللفظ ونسيبه ، وإليه يقاس ، وبه يشبّه - إذا كان منثورا لم يؤمن عليه ، ولم ينتفع به في الباب الذي له كسب ، ومن أجله انتخب ، وإن كان أعلى قدرا ، وأغلى ثمنا ، فإذا نظم كان أصون له مع الابتذال « 5 » ، وأظهر لحسنه مع كثرة الاستعمال ! . وكذلك اللفظ إذا كان منثورا تبدّد في الأسماع ، وتدحرج عن الطباع ، ولم يستقر « 6 » منه إلا المفرطة في اللفظ ، وإن كانت أجمله ، والواحدة من الألف ، وعسى أن لا تكون أفضله ، فإن كانت هي اليتيمة المعروفة ، والفريدة الموصوفة ، فكم في سقط الشعر من أمثالها ونظائرها ، ولا « 7 » يعبأ به مثلا ، ولا ينظر إليه !

--> ( 8 ) انظر دلائل الإعجاز 7 - 28 ( 1 ) في ف وخ : « كفضل » . ( 2 ) في المطبوعتين : « عن امتهان » . ( 3 ) في ف والمطبوعتين : « إذ خروج » . ( 4 ) في المطبوعتين : « وتساوتا » . ( 5 ) في ف والمطبوعتين : « . . من الابتذال » ، وما في ص والمغربية أوفق للسياق . ( 6 ) في المطبوعتين : « تستقر » . ( 7 ) في ف والمطبوعتين : « لا يعبأ » بإسقاط الواو .