أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
489
العمدة في صناعة الشعر ونقده
[ الطويل ] تراهنّ خلف القوم خزرا عيونها * جلوس الشيوخ في مسوك المرانب « 1 » - وهذا التشبيه عندهم عقيم ، إلا أنى أقول إنه من قول طرفة يصف عقابا « 2 » : [ الطويل ] وعجزاء دفّت بالجناح كأنّها * مع الصّبح شيخ في بجاد مقنّع - وينظر أيضا إلى قول امرئ القيس قبله « 3 » : [ الطويل ] كأنّ ثبيرا في عرانين وبله * كبير أناس في بجاد مزمّل - وقال عبد اللّه بن الزّبير الأسدي في تشبيه رأس القطاة « 4 » : [ الطويل ] تقلّب للإصغاء رأسا كأنّه * يتيمة جوز أغبرتها المكاسر « 5 » وفي الشعر من هذا صدر جيد . - وفي القرآن تشبيه كثير ، كقوله « 6 » عز وجل : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [ سورة يس : 39 ] ، وقوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
--> ( 1 ) في ص والمصادر المذكورة قبل ما عدا الحلية : « . . . زورا عيونها . . . في مسوك الأرانب » ، واعتمدت الصورة الأخرى لأنها توافق الديوان والحلية ، ولأن المؤلف ينقل عن الحلية . خزرا عيونها : تنظر بمآخير أعينها . والمرانب : ثياب سود يقال لها : المرنبانية ، تشبه أثواب النسور ، وقيل : أكسية من جلود الأرانب . وإنما خص الشيوخ لأنهم ألزم للأكسية ، وأقل صبرا على البرد ، وأوقر مجالس من الشباب . ( 2 ) ديوان طرفة 176 ، وانظره في المعاني الكبير 1 / 271 عجزاء : عقاب جعلها عجزاء لبياض عجزها ، وكانوا يتشاءمون منها أيضا . دفّت : ضربت بجناحيها . والبجاد : الكساء . ومقنع : ملتف . ( 3 ) ديوان امرئ القيس 25 ، وسبق الاستشهاد بالشطر الأول في باب في الأوزان ص 230 ( 4 ) لم أعثر على البيت إلا في حلية المحاضرة 1 / 179 ، وفيه : « اعترتها المكاسر » . وفي الحلية : « الزّبير : البئر المطوية بالحجارة ، والزّبير : الداهية ، والزّبير : الكتاب المكتوب » . ( 5 ) اليتيمة : الفريدة . أغبرتها : جعلت لونها كالغبار وأصل الفعل غبر بمعنى ذهب وبقي وفيه معنى التراب . والمكاسر جمع مكسر : وهو أصل الشجرة حيث تكسر منه أغصانها . ( 6 ) في ف والمطبوعتين : « كقوله تعالى » ، وما في ص يوافق مغربية ، وفي الأخرى « كقوله » فقط .