أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
406
العمدة في صناعة الشعر ونقده
من أصحاب الكتب ، أحدهم عبد الكريم ، والذي أرى أن هذا ليس مما ذكروا في شيء ؛ لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إنما قطع الكلمة ، وأمسك عن تمامها لئلا تصير حكما ، ودليل ذلك أنه قال « 1 » : « لولا أن يتتايع « 2 » فيه الغيران والسّكران » ، فهذا وجه الكلمة واللّه أعلم ، لا كما قال علقمة بن عبدة : « 3 » [ البسيط ] كأنّ إبريقهم ظبي على شرف * مفدّم بسبا الكتّان ملثوم يريد : « بسبائب الكتان » ، فحذف اضطرارا ؛ لأن الوزن لا يستقيم له إلا بعد الحذف ، وكذلك قول لبيد « 4 » : [ الكامل ] درس المنا بمتالع فأبان يريد « المنازل » فحذف للضرورة أيضا . ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم غير متكلف ، ولا مضطر ، فأما سائر العرب فالحذف في كلامهم كثير ؛ لحبّ الاستخفاف ، وتارة للضرورة ، وسيرد عليك في باب الرّخص إن شاء اللّه تعالى . * * *
--> ( 1 ) في أخبار النساء : « . . . كفى بالسيف شا ، ولم يتمها ، أراد شاهدا لئلا يبالغ فيه الغيران والسكران » . ولكنه جاء بنصه هنا في اللسان في [ تيع ] . ( 2 ) في المطبوعتين فقط : « يتتابع » [ كذا ] بموحدة بعد الألف . والتتايع : التسرع في الأمر من غير تثبّت . ( 3 ) ديوان علقمة بن عبدة 46 ، وفيه الاستشهاد ببيت لبيد الآتي وانظر ما قيل عن هذا العيب في نقد الشعر 219 ، والموشح 366 ، على أنه قد ذكر البيت في الكامل 3 / 42 في مجال حسن الشعر ، وذكر البيت في مجال سوء التشبيه في سر الفصاحة 245 والشرف : المكان المرتفع . مفدم : صفة للإبريق على الاستئناف ، وهو من الفدام ، وهو شيء تشده العجم على أفواهها عند السّقى ، والواحدة فدامة ، وأما الفدام فإنه مصفاة الكوز والإبريق ونحوهما ، وسقاة الأعاجم المجوس إذا سقوا الشرب فدموا أفواههم ، فالساقى مفدّم ، والإبريق الذي يسقى منه الشرب مفدّم . وسبا : المقصور « سبائب » وهي جمع سبيبة : وهي شقة بيضاء . وملثوم من اللثام : وهو ما يوضع على الفم . ( 4 ) ديوان لبيد 138 والمذكور صدر بيت عجزه : « وتقادمت بالحبس والسوبان » . ومتالع موضع أو جبل . وأبان : جبل . انظر معجم ما استعجم ومعجم البلدان .