أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

361

العمدة في صناعة الشعر ونقده

- وأهل الحاضرة يأتي أكثر تغزلهم في ذكر الصدود ، والهجران ، والواشين ، والرقباء ، ومنعة الحرس ، والأبواب ، وفي ذكر الشراب ، والندامى ، والورد ، والنسرين ، والنيلوفر ، وما شاكل ذلك من النواوير البلدية ، والرياحين البستانية ، وفي تشبيه التفاح ، والتحية به ، ودسّ الكتب ، وما شاكل ذلك مما هم « 1 » منفردون به . - وقد ذكروا الغلمان تصريحا ، ويذكرون النساء أيضا ، منهم من سلك في ذلك مذهب « 2 » الشعراء ؛ اقتداء بهم ، واتّباعا لما ألفته طباع الناس معهم ، كما يذكر أحدهم الإبل ، ويصف المفاوز على العادة المتعارفة ، ولعله لم يركب جملا قط ، ولا رأى ما وراء الجبّانة ، ومنهم من يكون قوله في النساء اعتقادا منه ، وإن ذكّر فجريا / على عادة المحدثين ، وسلوكا لطريقتهم ؛ لئلا يخرج عن شكل « 3 » أصحابه ، ويدخل في غير سلكه وبابه ، أو كناية بالشّخص عن الشخص ؛ لرقته ، أو حب رشاقة « 4 » ، وهذا مما لا يطلب عليه شاهد ؛ لكثرته ، إلا أنّى « 5 » أتملّح في هذا المكان بقول أبى نواس « 6 » : [ البسيط ] علىّ عين وأذن من مذكّرة * موصولة بهوى اللوطىّ والغزل / كلاهما نحوها سام بهمّته * على اختلافهما في موضع العمل - والعادة أن يذكر الشاعر ما قطع من المفاوز ، وما أنضى من الركائب ، وما تجشّم من هول الليل وسهره ، وطول النهار وهجيره ، وقلّة الماء وغئوره ، ثم يخرج إلى مدح المقصود ؛ ليوجب عليه حقّ القصد ، وذمام القاصد ، ويستحق منه المكافأة .

--> ( 1 ) في المطبوعتين والمغربيتين : « مما هم به منفردون » . ( 2 ) في المطبوعتين والمغربيتين : « مسلك » . ( 3 ) في ف والمطبوعتين : « سلك » ، وما في ص يوافق المغربيتين . ( 4 ) في ف والمطبوعتين : « رشاقته » ، وما في ص مثل المغربيتين . ( 5 ) في ص : « أن أتملح » ، وفي ف : « أنى أتلمّح » . ( 6 ) ديوان أبى نواس 449 والمقصود بالمذكرة التي تتشبه بالذكور .