أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
359
العمدة في صناعة الشعر ونقده
بهم ما لا يمكن ، فقالوا : / عش أبدا ، واسلم مدى الدهر ، وابق بقاء الزمان ، ودم مدة الأيام . - واعترض النقاد في ذلك ، واختلفوا بحسب ما ينتحل كل واحد منهم في قول أبى نواس للأمين « 1 » : [ المديد ] يا أمين اللّه عش أبدا * دم على الأيّام والزّمن أنت تبقى والفناء لنا * فإذا أفنيتنا فكن وفي كثير من مثله . - وإذا خرج الكلام عن حد الإمكان فإنما يراد به بلوغ الغاية لا غير ذلك . - ومن قبيح ما وقع لأبى نواس ، الذي أساء فيه أدبه ، وخالف « 2 » مذهبه ، أن ابن « 3 » برمك بنى دارا استفرغ فيها مجهوده ، وانتقل إليها ، فصنع أبو نواس في ذلك الحين ، أو قريبا منه ، قصيدة يمدحه بها ، أولها « 4 » : [ الطويل ] أربع البلى إنّ الخشوع لباد * عليك وإنّى لم أخنك ودادي « 5 » / وختمها أو كاد بقوله « 6 » : سلام على الدّنيا إذا ما فقدتم * بنى برمك من رائحين وغادى فتطيّر منها البرمكي ، واشمأزّ ، حتى كلح ، وظهرت الوجمة عليه ، ثم قال : نعيت إلينا أنفسنا يا أبا نواس ، فما كانت إلا مديدة حتى أوقع بهم الرشيد ، وصحّت الطيرة « 7 » .
--> ( 1 ) ديوان أبى نواس 413 ، ولا يوجد فيه الشطر الثاني من البيت الأول ، ولا الشطر الأول من البيت الثاني ، وما هنا يوافق ما جاء في الموشح 410 ، وأخبار أبى نواس في الأغانى ط الشعب 29 / 9920 ، وفيه : « عش على الأيام . . . » في البيت الأول ، وجاء البيت الأول في نقد الشعر 213 ، بنص الموشح والعمدة . ( 2 ) في ف : « وخالف به . . . » ، وفي المطبوعتين والمغربيتين : « وخالف فيه . . . » . ( 3 ) في ف والمطبوعتين : « . . . أن بعض بنى برمك . . . » ، وما في ص يوافق المغربيتين . ( 4 ) في ف والمطبوعتين : « يقول أولها » ، وما في ص يوافق المغربيتين . ( 5 ) ديوان أبى نواس 471 ، وقيلت القصيدة للفضل بن يحيى البرمكي كما في الديوان والصناعتين وعيار الشعر والموشح . انظر التعليق الخاص بذلك . ( 6 ) ديوان أبى نواس 483 ( 7 ) انظر هذا الجزء كله في عيار الشعر 205 ، والموشح 371 و 372 و 422 و 423 ، والصناعتين 431 وبديع أسامة 285