أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

356

العمدة في صناعة الشعر ونقده

- ودخل جرير على عبد الملك بن مروان ، فابتدأ ينشده « 1 » : [ الوافر ] أتصحو أم فؤادك غير صاح ؟ فقال له عبد الملك : بل فؤادك يا ابن الفاعلة ، كأنه استثقل هذه المواجهة ، وإلا فقد علم أن الشاعر إنما خاطب نفسه . - ومن هذه الجهة بعينها عابوا على أبى الطيب قوله لكافور أول لقائه مبتدئا ، وإن كان إنما يخاطب نفسه لا كافورا « 2 » : [ الطويل ] كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا أن يكن أمانيا فالعيب من باب التأدب للملوك ، وحسن السياسة لازم لأبى الطيب في هذا الابتداء ، لا سيما وهذا النوع - أعنى جودة الابتداء - من أجلّ محاسن أبى الطيب ، وأشرف مآثر شعره إذا ذكر الشعر « 3 » . - ودخل ذو الرّمّة على عبد الملك بن مروان ، فاستنشده شيئا من شعره فأنشده « 4 » : [ البسيط ] ما بال عينك منها الماء ينسكب « 5 » وكانت بعين عبد الملك ريشة ، فهي « 6 » تدمع أبدا ، فتوهم أنه خاطبه ، أو عرّض به ، فقال : وما سؤالك عن هذا يا جاهل ؟ ! ومقته « 7 » ، فأمر بإخراجه « 8 » .

--> ( 1 ) ديوان جرير 1 / 87 ، والمذكور صدر بيت في الابتداء ، وعجزه : « عشيّة همّ صحبك بالرّواح » . وانظر ما قيل عن البيت في الموشح 376 ( 2 ) ديوان المتنبي 4 / 281 ( 3 ) انظر ما قيل عن هذا البيت في مسائل الانتقاد 194 - 195 و 200 - 201 ، والرسالة الموضحة 66 ، واليتيمة 1 / 162 ( 4 ) في المطبوعتين : « فأنشده قصيدته » . ( 5 ) ديوان ذي الرمة 1 / 9 ، والمذكور صدر بيت في الابتداء ، وعجزه : « كأنه من كلى مفرية سرب » . ( 6 ) في المطبوعتين : « وهي » ، وما في ص وف يوافق المغربيتين . ( 7 ) في ف : « ومقته ، وأمر » ، وفي المطبوعتين : « فمقته ، وأمر . . . » ، وص مثل المغربيتين . ( 8 ) انظر هذا في الموشح 374 ، والهفوات النادرة 42 و 43 ، وفيهما أنه لما نبّه إلى ذلك غير القول إلى : « ما بال عيني منها الماء ينسكب » حتى أتى على آخرها ، فأجازه وأكرمه ، وانظر -