أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
339
العمدة في صناعة الشعر ونقده
- ومنهم من إذا أخذ في صنعة الشعر كتب من القوافي ما يصلح لذلك الوزن الذي هو فيه ، ثم أخذ مستعملها ، وشريفها ، وما ساعد « 1 » معانيه ، ووافقها « 2 » ، واطرح ما سوى ذلك ، إلا أنه لا بدّ أن يجمعها ؛ ليكرر فيها نظره ، ويعيد عليها تخيّره في حين العمل . هذا الذي عليه حذّاق القوم . - ومن الشعراء من إذا جاءه البيت عفوا أثبته ، ثم رجع إليه فنقحه ، وصفّاه من كدره ، وذلك أسرع له ، وأخفّ عليه ، وأصحّ لنظره ، وأرخى لباله . - وآخر لا يثبت البيت إلا بعد إحكامه في نفسه ، وتثقيفه من جميع جهاته ، وذلك أشرف للهمة ، وأدلّ على المقدرة « 3 » ، وأظهر للكلفة ، وأبعد من السرعة « 4 » . - وسألت شيخا من شيوخ هذه الصناعة : ما يعين « 5 » على الشعر ؟ فقال : زهرة البستان ، وراحة الحمام . - وقيل : إن الطعام الطيب ، والشراب الطيب ، وسماع الغناء يرقّ « 6 » الطبع ، ويصفّى المزاج ، ويعين على الشعر . - ولما أرادت قريش معارضة القرآن عكف فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك على لباب « 7 » البرّ ، وسلاف « 8 » الخمر ، ولحوم الضأن ، والخلوة ، إلى أن بلغوا مجهودهم ، فلما سمعوا قول اللّه « 9 » تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ سورة هود : 44 ] يئسوا مما طمعوا فيه ، وعلموا أنه ليس بكلام مخلوق .
--> ( 1 ) في م : « ومساعد . . . » . ( 2 ) في المطبوعتين ومغربية : « وما وافقها » ، وما في ص يوافق المغربية الأخرى . ( 3 ) في ف والمطبوعتين والمغربيتين : « القدرة » . ( 4 ) في ف والمطبوعتين : « . . . من السرقة » ، وما في ص يوافق المغربيتين . ( 5 ) في ف والمطبوعتين : « فقلت : ما يعين . . . » ، وما في ص يوافق المغربيتين . ( 6 ) في المطبوعتين والمغربيتين : « مما يرق . . . » ، وانظر المحاضرات 1 / 2 / 715 ( 7 ) اللباب : أصل الشئ وحقيقته . ( 8 ) سلاف الخمر : أول ما يعصر منها ، وأفضلها وأخلصها . ( 9 ) في المطبوعتين والمغربيتين : « قول اللّه عز وجل » .