أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
مقدمة 36
العمدة في صناعة الشعر ونقده
- وبعد ، فإن هذه أمثلة من عمل يجب على صاحبه أن يستره ستر العورة ، وأن يتبرأ منه ؛ لأنه ابن غير شرعي ، ولو كانت القوانين تسمح بسحب الدرجات العلمية لطلبت من المملكة المغربية أن تحرمه من هذا اللقب الذي يصدّر به اسمه ، وأن تسترد منه كل ما أنفقته عليه في الدراسات العليا ، ولو كان الأمر ممكنا أيضا لطلبت من كل الذين اشتروا هذا الكتاب أن يردوه له وأن يستردوا ثمنه ، وإذا لم يستطيعوا فإن على كل واحد أن يدعو عليه بأن ينصرف عن العلم إلى شيء آخر من أمور الحياة . ولما لم يكن الأمر بهذه السهولة فإنني أقترح على القائمين على الأمر في المملكة المغربية أن يفعلوا معه ما كان يفعله أحمد بن المدبر في الشعراء الذين لا يعجبه شعرهم ، فقد كان هذا الرجل يأمر غلامه بأن يأخذ الشاعر غير المبدع إلى المسجد ، ويجعله يتوضأ ثم يصلى عن كل بيت من أبيات قصيدته مائة ركعة ، فكان لا يأتيه من الشعراء إلا من يثق في شعره ، ولذا فإنني أطالب بأن يجبر هذا المحقق على أن يصلى عن كل صفحة مائة ركعة ، إننا لو فعلنا مثل ذلك لطهرنا الساحة من أمثال هذا الغثاء ، ثم لطهرناه من أدرانه ! ! - وبعد هذا العرض أعتقد أن القارئ الأديب عرف نتيجة قراءة هذا الشئ الذي يسمى تحقيقا ، ويرى أنني أصررت على أن انتهى من عملي بطريقتى وخطتى التي بدأت بهما ، ولذلك عندما قابلنى أخي الأستاذ الدكتور محمود الطناحى - رحمه اللّه - قال لي : ما نتيجة قراءة التحقيق الذي أخبرتك به ؟ قلت له على الفور : إنني بعد القراءة قلت : فليمدد أبو حنيفة رجليه ، فما كان منه - رحمه اللّه - إلا أن فحص الأرض برجليه من شدة الضحك ، وكان - رحمه اللّه - من المتذوقين للنكتة والطرفة . - عدت من الرياض في نهاية العام الجامعي 1994 / 1995 بعد أن أمضيت هناك خمسة أعوام ، ولم أكن قد انتهيت من النسخة الخطية التي دلني عليها أخي الأستاذ الدكتور محمود الطناحى - رحمه اللّه - والسبب في ذلك هو أنني قضيت الجزء الأكبر من هذا العام في قراءة نسخة قرقزان ، وبدأت بعد العودة رحلة عذابات المرض واستئصال المرارة . بفضل من اللّه انتشلت نفسي من كل الآلام النفسية التي أعقبت الجراحة ، وبدأت أعود إلى أوراقى ، وفي كل مرة أعود فيها إلى العمدة كنت أحس بحالة عاشق كان قد افتقد محبوبته ، ثم فجأة يراها في الطريق فيذكر كل شيء ، ويعود إليه حماسه ، وتتحرك فيه دماء العشق ، وتدفعه دفعا إلى احتضان المحبوبة ، لكنني لم أنس طريقتى التي سبق أن تحدثت عنها ، وهي أنني لا أستطيع أن أجلس للعمل في كتاب واحد ، فقد