أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
281
العمدة في صناعة الشعر ونقده
ثم قال بعد عدة أبيات « 1 » : أمن ميّة اعتاد الخيال المؤرّق ؟ * نعم إنّها ممّا على النأى تطرق وكان الفرزدق قليلا ما يصرّع ، أو يلقى بالا بالشعر ، كقوله « 2 » : [ الطويل ] ألم تر أنّى يوم جوّ سويقة * بكيت فنادتنى هنيدة ماليا ؟ / فجاء بمثل هذه القصيدة الجليلة غير مصرعة ، وكذلك قوله يرد على جرير « 3 » : [ الطويل ] تكاثر يربوع عليك ومالك * على آل يربوع فما لك مسرح - وأكثر شعر ذي الرمة غير مصرع الأوائل ، وهو مذهب كثير من الفحول ، وإن لم يعدّ فيهم « 4 » ؛ لقلة تصرفه ، إلا أنهم جعلوا التصريع في مهمات القصائد ، ومما « 5 » يتأهبون له من الشعر ، فدل ذلك على فضل التصريع ، وقد قال أبو تمام ، وهو قدوة « 6 » : [ الطويل ] وتقفو إلى الجدوى بجدوى وإنّما * يروقك بيت الشعر حين يصرّع فضرب به المثل كما ترى . - والتصريع يقع فيه من الإقواء ، والإكفاء ، والإيطاء ، والسناد ، والتضمين ما يقع في القافية : فمن الإقواء ما أنشده الزجاجي ، وهو قول بعضهم « 7 » :
--> ( 1 ) ديوان ذي الرمة 1 / 466 ( 2 ) ديوان الفرزدق 2 / 895 ط الصاوي و 2 / 360 ط دار صادر . ( 3 ) ديوان الفرزدق 1 / 149 ط الصاوي و 1 / 126 ط دار صادر . مالك مسرح : أي أنك ذليل مهان تخاف أن تسرح إبلك فتنهب . [ من الديوان ] ( 4 ) السبب في أن ذا الرمة لم يعد من الفحول هو اقتصاره على وصف الصحارى وأبعار الإبل ، وانظر ذلك بالتفصيل في طبقات ابن سلام 2 / 551 و 552 ، والشعر والشعراء 1 / 524 ، والموشح 274 و 551 وما بعدهما ، وكنايات الجرجاني 117 ( 5 ) في المطبوعتين فقط : « فيما يتأهبون . . . » . ( 6 ) ديوان أبى تمام 2 / 322 وانظر الموازنة 2 / 85 وتقفو إلى الجدوى بجدوى : تسير إلى العطاء بالعطاء ، أي تتبع أحدهما صاحبه [ من الديوان ] . ( 7 ) البيت جاء أول ثمانية أبيات في الأمالي 3 / 12 ، وتنسب فيه إلى أم عمرو أخت ربيعة بن مكدم ترثى أخاها ربيعة وقد قتلته بنو سليم ، وفي الهامش كتب : هكذا في الأصل وفيه الإقواء وهو اختلاف العروض والضرب في حركة الإعراب ، وفي الأمالي : « فلا عازب » .