أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
204
العمدة في صناعة الشعر ونقده
هؤلاء المطبوعون ، وأما « 1 » المصنّعون فسيرد عليك ذكرهم إن شاء اللّه تعالى . - وأكثر الناس على تفضيل اللفظ على المعنى ، سمعت بعض الحذاق يقول : قال العلماء : اللفظ أغلى من المعنى ثمنا ، وأعظم قيمة ، وأعز مطلبا ؛ « 2 » فإن المعاني موجودة في طباع الناس ، يستوى فيها الجاهل والحاذق ، ولكن العمل على جودة الألفاظ ، وحسن السبك ، وصحة التأليف « 2 » ، ألا ترى لو أن رجلا أراد في المدح تشبيه رجل لما أخطأ أن يشبهه في الجود بالغيث والبحر ، وفي الإقدام / بالأسد ، وفي الإمضاء « 3 » بالسيف ، وفي العزم بالسيل ، وفي الحسن بالشمس . فإن لم يحسن تركيب هذه المعاني في أحسن حلاها من اللفظ الجامع للرقة ، والجزالة ، والعذوبة ، والطلاوة ، والسهولة ، والحلاوة ، لم يكن للمعنى قدر . - وبعضهم - وأظنه ابن وكيع - مثّل المعنى بالصورة ، واللفظ بالكسوة ، فإن لم تقابل الصورة الحسناء بما يشاكلها ، ويليق بها من اللباس ، فقد بخست حقّها ، وتضاءلت في عين مبصرها « 4 » . - قال « 5 » عبد الكريم - وكان يؤثر اللفظ على المعنى كثيرا في شعره وتأليفه « 6 » - : الكلام الجزل أغنى عن المعاني اللطيفة من « 7 » المعاني اللطيفة عن الكلام الجزل .
--> ( 1 ) في ف والمطبوعتين : « فأما المتصنعون » ، وفي المغربيتين : « وأما المصنوعون » . ( 2 - 2 ) ما بين الرقمين مثل ما قاله الجاحظ في الحيوان 3 / 131 و 132 ، في التعبير المشهور : « المعاني مطروحة في الطريق . . » الخ . ( 3 ) في ف والمطبوعتين : « المضاء » . جاء في اللسان : مضى في الأمر مضاء : نفذ . وأمضى الأمر : أنفذه . وأمضيت الأمر : أنفذته . ومضى السيف مضاء : قطع . [ انظر اللسان ] . ( 4 ) الذي يقوله ابن وكيع في المنصف 7 عند حديثه عن تفسير وجوه السرقات : « وقد أبقى صاحب الحكم المنثورة لسارقها من فضيلة النظم ما يزيد في رونق مائها ، وبهجة روائها ، فهي كالحسناء العاطلة : حليها في نظامها ، فإذا جلاها النظم نسبت إلى السارق ، واستحقّت على السابق ، والمعنى اللطيف في اللفظ الشريف كالحسناء الحالية ، فقد استوفى بالنظام غاية الحسن والتمام ، فقد فاز قائلها بالحظين ، واستولى على الفضلين » . ( 5 ) في ف والمطبوعتين فقط : « وقال » . ( 6 ) في المطبوعتين : « وتآليفه » . ( 7 ) قوله : « من المعاني اللطيفة » سقط من ف ، وفي م كتب المحقق هذا القول بين معقوفين ، دون ذكر السبب ! ! وفي ف وخ : « على الكلام الجزل » ، وما في ص يوافق المغربيتين .