أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
196
العمدة في صناعة الشعر ونقده
- والبيت من الشعر كالبيت من الأبنية ، والشعر قراره الطبع ، وسمكه الرواية ، ودعائمه العلم ، وبابه الدّربة ، وساكنه المعنى ، ولا خير في بيت غير مسكون ، وصارت الأعاريض والقوافي كالموازين والأمثلة للأبنية ، أو كالأواخىّ « 1 » والأوتاد للأخبية ، وأما ما سوى ذلك من محاسن العشر فإنما / هو زينة مستأنفة ، لو لم تكن لا ستغنى عنها . - قال « 2 » القاضي علىّ بن عبد العزيز الجرجاني « 3 » صاحب كتاب الوساطة : الشعر علم من علوم العرب ، يشترك فيه / الطبع ، والرواية والذكاء ، ثم تكون الدّربة مادة له ، وقوة لكل واحد من أسبابه ، فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرّز ، وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته من الإحسان . وقال « 4 » : ولست أفضل في هذه القضية بين القديم والمحدث ، والجاهلي والمخضرم ، والأعرابي والمولّد ، إلا أنى أرى حاجة المحدث إلى الرواية أمسّ ، وأجده إلى كثرة الحفظ أفقر ، فإذا استكشفت عن هذه الحال وجدت سببها ، والعلة فيها أنّ المطبوع الذكىّ « 5 » لا يمكنه تناول ألفاظ العرب إلا رواية ، ولا طريق إلى الرواية إلا السمع ، وملاك السمع الحفظ . - وقال دعبل في كتابه « 6 » : من أراد المديح فبالرغبة ، ومن أراد الهجاء فبالبغضاء ، ومن أراد التشبيب فبالشوق والعشق ، ومن أراد المعاتبة فبالاستبطاء .
--> ( 1 ) الأواخى - جمع أخية ، وأخيّة ، وآخية - وهي العروة تشد بها الدابة مثنية في الأرض [ انظر : اللسان أخا ] والخلاف فيه بين علماء اللغة لا يوصل إلا إلى ذات هذا المعنى . ( 2 ) هذا القول تجده في الوساطة 15 ( 3 ) هو علي بن عبد العزيز بن الحسن ، ويكنى أبا الحسن ، ويعرف بالقاضي الجرجاني ؛ لأنه كان قد تولى القضاء بجرجان من يد الصاحب بن عباد ، ولما عمل الصاحب رسالته المعروفة في إظهار مساوئ المتنبي ، عمل القاضي الجرجاني كتابه الوساطة بين المتنبي وخصومه ، وفي لطائف المعارف نسب إليه الثعالبي كتابا اسمه « كتاب الرؤساء والجلة » ، وهو غير معروف . ت 392 ه . يتيمة الدهر 4 / 3 ، ولطائف المعارف 232 ، وسير أعلام النبلاء 17 / 19 وما فيه من مصادر ، والشذرات 3 / 56 ، ومعجم الأدباء 14 / 14 ، ووفيات الأعيان 3 / 278 ، والوساطة . ( 4 ) الوساطة 15 و 16 ، باختلاف يسير . ( 5 ) في ف وخ : « الذي » ، ولا معنى له . ( 6 ) لم أعثر على ما يدلني على هذا الكتاب ، ولا بد أنه ضمن تراثنا المفقود .