أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
مقدمة 18
العمدة في صناعة الشعر ونقده
اللغة العربية عندما يصححون كراسات مادة الإنشاء أو التعبير ، فإن هؤلاء المدرسين ينظرون في السطر الأول من الصفحة والسطر الأوسط والسطر الأخير ، ولن يعدموا خطأ هنا أو هناك ، وبالتأكيد تكون هناك أخطاء في السطور الأخرى التي لم ينظر فيها المدرس ، وكنت أعتقد اعتقادا جازما أن الشيخ فعل مثل ذلك ، ولما جاء هذا الخاطر في ذهني عرضته على أحد أعلام الأدب في عصرنا الحالي ، وكان تلميذا للشيخ في يوم من الأيام ، وهو الدكتور [ م . ر . ا ] فقال لي : إن الشيخ كان يعطى طلاب الدراسات العليا بعض الكتب ذات الورق الأصفر ليعلقوا عليها ، ثم يأخذها بتعليقات الطلاب ليدفعها إلى المطبعة فتتحول من كتب في ورق أصفر إلى كتب في ورق أبيض ، وهذا سر الكثرة الكاثرة من الكتب التي صدرت باسمه وتحقيقه ، فمن كتب في النحو إلى كتب في الأدب إلى أخرى في التاريخ وغير ذلك ، ولو وزّعنا الكتب التي أخرجها على سنوات عمره لكانت أكثر من عمره فقلت له : إنني كنت أسمع من الطلاب المخضرمين في كلية اللغة العربية مقولة : « الشيخ ورق أبيض » ولم أكن أفهم المقصود منها ، وكنت أخاف أن أسأل حتى لا أتهم بالجهل من هؤلاء المخضرمين ، والآن يا أستاذي فسرت لي لغز هذه المقولة « 1 » . أعود إلى موضوع الأدلة فأقول : الدليل الأول : من المعروف أن الشيخ - رحمه اللّه - من حفظة القرآن الكريم ، فإذا وقع خطأ في آية في نسخة الخانجي فإنه لا يصح أن يقع في نسخته ، ولا اعتذار عن ذلك بحال من الأحوال ، وبخاصة أنه يدعى في مقدمته أنه عارض النسخة على بعض المخطوطات ، ولينظر معي القارئ ثمّ يحكم : في نسخة الخانجي 1 / 185 في باب الاستعارة جاءت الآية الكريمة 154 من سورة الأعراف هكذا ( فلما [ كذا ] سكت عن موسى الغضب ) ، وفي نسخة الشيخ محمد محيي الدين جاءت الآية بذات الصورة في 1 / 275 ، والصحيح : ( ولما سكت . . . ) . فإذا افترضنا أن مصحح نسخة الخانجي لا يحفظ القرآن فإننا نعلم علم اليقين أن الشيخ محيي الدين يحفظ القرآن . فبم نفسر هذا ؟ !
--> ( 1 ) انظر مقدمة الشيخ لكتاب العمدة 1 / 7 ففيها يتحسر على طبع التراث على ورق أصفر وخط صغير ! ! ! .