أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
مقدمة 14
العمدة في صناعة الشعر ونقده
فكل ما لم أسنده إلى رجل معروف باسمه ، ولا أحلت فيه على كتاب بعينه - فهو من جنسه ، إلا أن يكون متداولا بين العلماء ، لا يختص به واحد منهم دون الآخر ، وربما نحلته أحد العرب ، وبعض أهل الأدب ؛ تستّرا بينهم ، ووقوعا دونهم ، بعد أن قرنت كل شكل بشكله ، ورددت كل فرع إلى أصله ، وبينت للناشئ المبتدئ وجه الصواب فيه ، وكشفت عنه لبس الارتياب به . . . » . - من هذا القول لابن رشيق حددت منهجى في تحقيق الكتاب ، فقد صممت على تحقيق النص من خلال المخطوط مع المطبوع ، وأن أرجع كل نص فيه إلى مصدره وصاحبه ، وقمت بتوضيح أماكن الآيات من سور القرآن ، ولم أكتف بذلك بل أشرت إلى الكتب التي استشهدت بالآيات في ذات المجال الذي ذكرت فيه في العمدة ، ثم ذكرت تخريج الحديث ، وذكرت الكتب التي استشهدت بالأحاديث في الموضوع نفسه ، فجعلت هناك ربطا بين العمدة وبين الكتب التي كانت من مصادر ابن رشيق ، وإن لم يذكر ذلك ، وفعلت شيئا جديدا بالنسبة لأبيات الشعر المستشهد بها ، فلم أكتف بذكر أن يكون البيت في ديوان صاحبه صفحة كذا كما يفعل الجميع ، ولكنني تتبعت كتب النقد التي تحدثت عن البيت ، سواء كان الحديث مدحا أو ذما ، وسيلاحظ القارئ الفاضل في بعض الأحيان أنني أذكر في نهاية تخريج بعض الأبيات قولي : وقد عثرت على الديوان بآخرة فوجدت البيت فيه ، أو قولي : والبيت في ديوانه . والسر في ذلك هو أن بعض الدواوين في أول عملي في الكتاب لم تكن موجودة لدىّ ، فقمت بتخريج الأبيات من مصادرها ، ولما ذهبت إلى الرياض وجدت الكثير من الدواوين ، فلم أحذف التخريج الذي تعبت فيه كثيرا ، وبخلت بضياعه ومن هنا تكون الفائدة للقارئ الفاضل أن يعرف الأماكن التي تحدثت عن البيت . - لكن الشئ الأصعب جدا هو تخريج الأقوال النثرية من مصادرها ، وبخاصة - على حسب قول ابن رشيق - إذا لم يذكر القائل ، أو حتى لم يذكر أن هذا القول النثرى من قول قائل ، وسأضرب لذلك مثلا بما جاء في ص 889 : « كانت قيس تفتخر على تميم ؛ لأن شعراء تميم تضرب المثل بقبائل قيس ورجالها ، فأقامت تميم دهرا لا ترفع رءوسها . . . » فهذا القول بهذه الصورة يوحى بأن القول من تأليف ابن رشيق ، لكنه في الحقيقة من قول الجاحظ في الحيوان 5 / 173 ، وهذا يكون في ذهني من قراءتي السابقة قديما في الحيوان ، وهناك مثل آخر يقول ابن رشيق في ص 1128 : « وغناء العرب قديما على ثلاثة أوجه : النصب والسناد والهزج ، فأما النصب فغناء الركبان والفتيان . . . » فالقول بهذه الصورة يوحى بأنه من تأليف ابن رشيق ، لكنني عثرت عليه في العقد الفريد 6 / 27 وغير ذلك كثير مما سيراه القارئ الفاضل في الهوامش .