أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

مقدمة 10

العمدة في صناعة الشعر ونقده

وتحرجت أن أعيد الكتاب في اليوم التالي ، ولكنني أبقيته مدة الأسبوع التي شرطها أمين المكتبة ، حتى لا أظهر أمامه بمظهر غير لائق ، وفي خلال هذا الأسبوع لم أمتنع عن تقليب صفحات الكتاب فشدنى ما فيه من دفاع عن الشعر ، كما جذبتنى أشعار الخلفاء والولاة والفقهاء . مناقشة مع أحد المشايخ - وفي السنة الأولى الثانوية بالأزهر كنا ندرس مادة العروض والقوافي ، وكان يدرسها لنا رجل من أفاضل علماء الأزهر علما وخلقا هو الشيخ عبد الظاهر معاذ - رحمه اللّه - فقد كان عندما يريد أن يقطّع لنا بيتا من الشعر يدق بيديه على المكتب الذي أمامه دقات تتناسب مع الوزن الذي ينطقه بفمه ، وكان قبل ذلك قد عرّفنا أن الخليل بن أحمد عرف الأوزان من دقات النحاسين الذين يصنعون أواني النحاس . وعندما أخذ يشرح لنا بحر الوافر ذكر لنا الزحافات والعلل العروضية التي تدخله ، وذكر منها القطف ، وهنا تذكرت أن الموجود في كتاب العمدة 1 / 181 هو القطع ، فاستأذنت من الشيخ وقلت له : إن كتاب العمدة يذكر القطع ، ولم أذكر ذلك إلا لأتباهى بأنني أقرأ كتابا أكبر من سنى ، فقال لي الشيخ بأدب : إن القطع يا بنى لا يدخل بحر الوافر ، ولكنني أحببت أن أعرفه أنني صادق فيما قلته حتى لا يغضب منى ، فأحضرت له الكتاب في اليوم التالي ، فنظر فيه ، ونظر إلىّ ، ولم يعلق ، وأحسست أن الشيخ عرف غرضى ، ولكنني لم أفهم معنى سكوته إلا بعد زمن طويل ! ! ولم تنقطع علاقتى بالعمدة في فترة المرحلة الثانوية ، وإنما كنت أقرأ فيه على فترات متباعدة ، ولكن زادت صلتي بالعمدة عندما التحقت بكلية اللغة العربية . - كانت الفترة التي التحقنا فيها بالكليات فترة اضطراب من جميع النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، وكان الإنسان في تلك المدة 1959 - 1964 لا يستطيع أن ينظر إلى الحياة إلا بمنظار أسود قاتم السواد ، وقد أراد اللّه لي أن لا أنخرط في أي اتجاه سياسي ، لأننى لا أحب السياسية من جميع جوانبها ، ومن هنا وجدت قدماي تجريان إلى دار الكتب المصرية في باب الخلق ، وكانت قريبة من مسكنى من ناحية ، ولن تكلفنى مالا - وهو الأهم - من ناحية أخرى . وقد بهرنى في دار الكتب مجموعة من كتب التراث على رأسها كتاب الأغانى ، وكتاب الأمالي ، ونهاية الأرب وغيرها مما كان موجودا في قاعة القراءة الكبيرة الهادئة ، فكنت أقرأ في هذه الكتب وآكل ما أقرأ ، وكنت لا أخرج من الدار إلا عندما ينادى المنادى أن الوقت قد انتهى ، وكان زملائى في المسكن يظنون أنني أدخل السينما في كل