قاسم السامرائي

54

علم الاكتناة العربي الإسلامي

ومن غير المقبول عقلا أيضا أنهم ، وقد بلغوا ما بلغوا من السمو الحضاري والتجاري ، ثم لم يستعملوا أرقاما معينة خاصة بهم في الحساب ، مما تفرضه المعاملات التجارية عليهم ، فقد كان منهم تجار يهبطون الأسواق العالمية في الإسكندرية وفي الشام واليونان والعراق والحبشة والهند ؛ فالشئون التجارية تستلزم القدرة على الكتابة والقراءة والحساب ، لمعرفة نوع البضاعة وثمنها ومقدار رأس المال ومبلغ الربح والخسارة . ولا يمكننا أن نفترض ، أن كل تاجر نبطي كان يمتاز بذاكرة تغنيه عن تقييد أعماله وحساباته وكل ما يحتاج إليه العمل التجاري ، ولا سيما أن أكثر الذين يتنقلون بين الأسواق كانوا يتاجرون برأس مال مشترك أو لحساب غيرهم . بل إن الثابت من النقائش أنهم استعملوا الأرقام إضافة إلى حساب الجمل فعلا ، فانتقلت هذه الأرقام مع الخط إلى الهند وإلى عرب الحجاز قبل الإسلام ، ومن ثمّ إلى البلدان الإسلامية الأخرى بعد الفتوح ، بعد أن مرت بفترات طويلة من التطور والتغيير . وهذا يتفق مع ما رواه النديم والبيروني عن الأرقام التي عرفوها في الهند والسند ، فقد ذهب بعض من درس اللغات الهندية إلى أن البرهمية الهندية التي تعدّ أمّ الأبجديات الهندية تكتب من اليسار إلى اليمين نتيجة التأثير الفينيقي ، وأن الأبجدية الخارستية الهندية تكتب من اليمين إلى اليسار نتيجة لتأثير اللغة الآرامية « 1 » ، والآرامية هنا بمعنى النبطية ، لأن الأنباط هم الذين كانوا يتاجرون مع الهند عبر البحر الأحمر ، ومن خلال ميناء جرها الذي قيل : إنه ثاج الآن « 2 » ، بعد انحسار مياه الخليج العربي وتراجعها عنه ،

--> ( 1 ) الأرقام العربية لمحمد عبد الحكيم يونس بخاري 33 . ( 2 ) مسكوكات ما قبل الإسلام في شرق الجزيرة العربية لبوتس 17 .