قاسم السامرائي
45
علم الاكتناة العربي الإسلامي
سياسيا واقتصاديا طوروا الخط الآرامي وولدوا منه الخط الذي عرف بالخط النبطي كما نرى ذلك واضحا في النقوش المرفقة ، وهو كأي مظهر حضاري لا بد أن يعتريه التطور ، إذ إنه بدأ خطا آراميا يميل إلى التربيع ، ثم ابتعد بمرور الزمن شيئا فشيئا عن التربيع إلى التدوير ، ولم يزل يتطور حتى بدأ يأخذ أشكالا بعيدة تماما عن الخط الآرامي ، ويقترب جدا من الخطوط العربية الجاهلية التي تعلمها عرب الحجاز منهم ؛ نظرا لأن عرب الأنباط كانوا أعرق في الحضارة منهم ، بيد ان الجوار والاتصال الدائم والمباشر معهم في رحلاتهم المستمرة إلى الشام فرض التعاون ، والتعاون لا يتم إلا بعد تجاوب ينشأ عن العنصرين اللذين تتولد منهما العلاقات بين الشعوب : العنصر المادي والعنصر الروحي ؛ لأنهم - كما قلنا - كانوا يشاركون قريشا في آلهتهم وبالتالي لغتهم . إنّ تطور الخط العربي من الخط النبطي لم يكن ظاهرة بشرية فريدة في التاريخ ، فإن هيرودوتس يحدثنا عن الكتابة اليونانية ، فيقول : « لقد أدخل الفينيقيون إلى بلاد اليونان مجموعة كبيرة من مختلف الفنون ، وكان من بينها الكتابة ، وهو - على حد علمي - ما لم يكن يعرفه الإغريق من قبل . وفي البداية جعل الإغريق حروفهم كالحروف الفينيقية تماما ، ولكن لغتهم بمرور الزمن أخذت تتغير شيئا فشيئا وتغيرت تبعا لها أشكال الحروف » « 1 » . فهذا ما يقوله مؤرخ يوناني ، وهذا بالضبط ما حدث للخط النبطي وللأرقام النبطية التي يستعملها المشرق العربي .
--> ( 1 ) قصة الكتابة والطباعة لفرانسيس روجرز ، ترجمة احمد الصاوي ، القاهرة 1969 م ، 101 .