قاسم السامرائي

332

علم الاكتناة العربي الإسلامي

ولما كان القرآن الكريم قد كتب بالمداد في أول مراحل تدوينه في الرقوق « 1 » ، كما ذكر البيروني : « كتبت مصاحف القرآن في جلود الظباء » « 2 » ، صار مفهوم المداد ما يكتب به في الرقوق وهو الحبر الصيني الذي كان يجلب من الصين « 3 » ثم اكتسب معنى عاما لما يكتب به في غير الرقوق فسمي حبرا ، ولعل امتناع ابن بديل ، عن إملاء الحديث حين أراد الكاتب كتابته على قرطاس بالمداد ، لأنه لم يشأ كتابة الحديث الشريف بمداد مجلوب من بلاد الكفر ، وهو المداد الصيني الذي كان يجلب من الصين « 4 » ، والذي كان يستعمله الجاحظ وغيره في كتبهم . أو لعل امتناعه كان تشريفا للحديث وتعظيما له من أن يكتب بمداد صيني كما رأينا في قول ابن جماعة ، مع أنه يناسب الرق ويعرف بالحبر المطبوخ « 5 » أو الحبر الرأس ويتصف بالبريق واللمعان « 6 » ، أما الحبر المصنوع من العفص والزاج والصمغ والصناج الذي كان شائعا إذ ذاك فيناسب الورق ولا يصلح للرقوق كما يقول ابن السيد البطليوسي لأنه قليل اللبث في الرقوق سريع الزوال عنها « 7 » ، وهنا يتبين لنا الفرق بين الحبر والمداد . فإذا امتنع ابن بديل عن الكتابة بالمداد الصيني ، فإن أبا بكر الباقلاني المتوفى سنة 403 ه كان يذكر ؛ أن كتابته بالمداد أسهل عليه من الكتابة بالحبر « 8 » ، وهنا يتبين لنا أيضا ؛ أنّ هناك فرقا واضحا بين المداد والحبر ، وأنّ المداد الصيني كان موجودا ببغداد في القرن الخامس للهجرة .

--> ( 1 ) صبح الأعشى 2 / 475 « لطول بقائه أو لأنه الموجود عندهم » . ( 2 ) تحقيق ما للهند 133 . ( 3 ) كتاب التبصر بالتجارة للجاحظ 26 . ( 4 ) المصدر نفسه . ( 5 ) كتاب الاقتضاب 68 . ( 6 ) صبح الأعشى 2 / 466 . ( 7 ) كتاب الاقتضاب 68 . ( 8 ) الكتاب في الحضارة الإسلامية لعبد اللّه الحبشي 137 .