قاسم السامرائي
149
علم الاكتناة العربي الإسلامي
والمثابرة المستمرة ، وهي صفات من شأنها أن تقود إلى الظفر بالمطلوب إن شاء اللّه " « 1 » . ويعبّر محمود محمد الطناحي رحمه اللّه وإيانا عن الإحساس العميق بالمتعة الفريدة التي يجدها المشتغل بالمخطوطات في قوله : " وهي متعة لا يعرفها إلا عاشق المخطوطات ، المدلّة بحبها ، فأيّ سنى يلمع في عينيك وأنت ترى توقيع ابن الجوزي بخطه ، بصحة سماع عليه ، أو خط ابن خلكان بتملك ؟ بل ايّ نور يغشاك وأنت تقرأ لتلميذ وهو يقول : إنه قرأ هذه النسخة على مؤلفها بالبيت الحرام تجاه الكعبة المعظمة ، ثم يؤرخ لذلك بسنة 639 ؟ فتكاد تكتحل بذلك التراب الذي ينبعث من تلك الأوراق ، لأنه تراب أربع وسبعين وسبعمائة سنة ! وأيّ شذا يسري في أوصالك حين تقلّب أوراقا كتبها ابن حجر العسقلاني ، فتلامس أنفاسك أنفاسه " « 2 » . اللهم لقد صدق ! ! ولو أنهم علموا ما نحسّ فيه من متعة ماتعة في العمل فيها وما يتملكنا من مسرّة غامرة في فهرستها ، ومن حبور دافق في فكّ معمياتها ، ومن شغف عارم بها يغمر جوارحنا ، لقارعونا عليها بالحراب ، وحسبنا وفاء لتراثنا بل ولأمتنا ، أننا نحب ملء جوارحنا ما يمقتون ، ونكبر ما يزدرون ، فإنه من جهل شيئا عاداه ، والإنسان بطبيعته الإنسانية عدو لما يجهل ، فلا حاضر لمن لا ماضي له ، ولا خلق لمن لا وفاء له ، وكم من أثر نفيس وقع بيد جاهل به فعفّى عليه ، وكم من مخطوطة نادرة صنعت بطائن للكتب أو لتحشية تجليد أو طربوش ، وهذا يذكرني بحكاية رواها لي أستاذي
--> ( 1 ) محمد بن شريفة ، ظاهرة المخطوطات مجهولة المؤلف : المخطوطات التاريخية والجغرافية مثالا ، في : دراسة المخطوطات الإسلامية بين اعتبارات المادة والبشر ، مؤسسة الفرقان ، 1417 ه / 1997 ، 30 . ( 2 ) انظر : مقدمة كتاب ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات لأبي عبد الرحمن السلمي ، تح محمود محمد الطناحي ، مكتبة الخانجي ، القاهرة 1413 ه / 1993 ، 6 - 7 .