أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
92
العقد الفريد
لا يجلس مجلسا إلا ضحك وأضحك من حوله ، وكان شمعون لا يجلس مجلسا إلا بكى وأبكى من حوله ؛ فقال شمعون ليوحنا : ما أكثر ضحكك ! كأنك قد فرغت من عملك ! فقال له يوحنا : ما أكثر بكاءك ! كأنك قد يئست من ربك ! فأوحى اللَّه إلى المسيح : إن أحبّ السيرتين إليّ سيرة يوحنا . المسيح ويحيى بن زكريا وفي بعض الكتب أيضا : أن عيسى ابن مريم لقى يحيى بن زكريا عليهم الصلاة والسلام ، فتبسم إليه يحيى ، فقال له عيسى : إنك لتبسم تبسم آمن ! فقال له يحيى : إنك لتعبس عبوس قانط ! فأوحى اللَّه إلى عيسى : إن الذي يفعل يحيى أحبّ إليّ . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : يدخل نعيمان الجنة ضاحكا ، لأنه كان يضحكني . وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دخل عليه وهو أرمد فوجده يأكل تمرا ، فقال له : أتأكل تمرا وأنت أرمد ؟ فقال : إنما آكل من الجانب الآخر ! فضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى بدت نواجذه . وكانت سويداء « 1 » لبعض الأنصار تختلف إلى عائشة فتلعب بين يديها وتضحكها ، وربما دخل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على عائشة فيجدها عندها فيضحكان جميعا ؛ ثم إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقدها ، فقال : يا عائشة ، ما فعلت السويداء قالت له : إنها مريضة ! فجاءها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعودها ، فوجدها في الموت ! فقال لأهلها : إذا توفيت فآذنوني . فلما توفيت آذنوه ، فشهدها وصلى عليها وقال : اللهم إنها حريصة على أن تضحكني ، فأضحكها فرحا . الأصمعي وأبو عبيدة وقيل لأبي نواس : قد بعثوا إلى أبي عبيدة والأصمعي ليجمعوا بينهما . فقال : أما أبو عبيدة فإن خلوه وسفره قرأ عليهم أساطير الأولين والآخرين ، وأما الأصمعي فبلبل في قفص يطربهم بصفيره .
--> ( 1 ) السويداء : تصغير السوداء .