أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
88
العقد الفريد
العباس مع فقهاء البلد ، فحدثني البحتري عن عبادة ، وكان ممن حضر المجلس أنه بعث إليه بقدح نبيذ فشربه ، ثم بعث إليه بثان فامتنع من شربه ! فأخذه الناس بألسنتهم ، وقالوا : شربت المسكر على أخونة هؤلاء وصرت لهم حجة ! قال : حسبكم ! أردتم أن أكون ممن قال اللَّه تعالى : فيهم يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ « 1 » ! فكيف أدعه لكم وأشربه بعين اللَّه ! بين قاض وشارب نبيذ وقال بعض القضاة لرجل كان يعذله : بلغني أنك تشرب المسكر ! فقال : ما أشرب المسكر ولكني أشرب النبيذ الصلب . ألوان من التزهد فأين هؤلاء في ترك الرياء والتصنع ، من رجل سرقت نعله فلم يشتر نعلا حتى مات ، وعوتب في ذلك فقال : أخشى أن أشتري نعلا فيسرقها أحد فيأثم ! وآخر لما نظر أهل عرفات قال : ما أظن اللَّه إلا قد غفر لهم لولا أني كنت فيهم ! وآخر أمر له عمر بن الخطاب بكيس ، فقال : آخذ الكيس والخيط ؟ فقال عمر : دع الكيس ! ورجل سأل ابن المبارك فقال إني قاسمت إخوتي ، وبيننا مبرز غير مقسوم وفيّ بطر « 2 » أفترى لي أن أدخله أكثر مما يدخله شركائي ؟ وآخر قال : أفطرت البارحة على رغيف وزيتونة ونصف ، أو زيتونة وثلث أو زيتونة وربع ، أو ما علم اللَّه من زيتونة أخرى ! فقال له بعض من حضر : أجلس يا فتى ، إنه بلغنا أن من الورع ما يبغضه اللَّه ، وأظنه ورعك هذا !
--> ( 1 ) سورة النساء الآية 108 . ( 2 ) البطر : النشاط .