أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
76
العقد الفريد
وسقى قوم أعرابيا كئوسا ، ثم قالوا : كيف تجدك ؟ قال : أجدني أسرّ ، وأجدكم تحبّبون إليّ . وقالوا : ما حرّم اللَّه شيئا إلا عوّضنا ما هو خير منه أو مثله ، وقد جعل اللَّه النبيذ عوضا من الخمر ، نأخذ منه ما يطيب النفس ، ويصفي اللون ، ويهضم الطعام ، ولا نبلغ منه إلى ما يذهب العقل ، ويصدع الرأس ، ويغثي النفس ، ويشرك الخمر في آفاتها وعظيم خبائثها . قالوا : وأما قولكم إن الخمر كلّ ما خمر ، والنبيذ كله يخمّر فهو خمر ، فإن الأسماء قد تتشاكل في بعض المعاني ، فتسمى ببعضها لعلة فيها وهي في آخر ، ولا يطلق ذلك الاسم على الآخر ؛ ألا ترى أن اللبن قد يخمرونه بروبة تلقى فيه ، ولا يسمى خمرا ؟ وأن العجين قد يخمر فيسمى خميرا ولا يسمى خمرا ؟ وأن نقيع التمر يسمى سكرا لإسكاره ، ولا يسمى غيره من النبيذ سكرا وإن كان مسكرا ؟ وهذا أكثر في كلام العرب من أن يحاط به ؛ وقد رأيت اللبن يسكر إسكار كسكر النبيذ ، ويقال : قوم ملبونون وقوم روبى ، إذا شربوا الرائب فسكروا منه ؛ وقال بشر بن أبي حازم : فأما تميم تميم بن مرّ * فألفاهم القوم روبى نياما وأما قولكم : الرجل مخمور ، وبه خمار ، إذا أصابه صداع من الخمر ؛ وقد يقال مثل ذلك لمن أصابه صداع من النبيذ ، فيقال : به خمار ، ولا يقال به نباذ ؛ فإن حجتنا في ذلك أن الخمار إنما يكون مما أسكر من النبيذ ، وذلك حرام ، لا فرق بينه وبين الخمر عندنا ، فيقال فيه : ما يقال في الخمر ، وإنما كان شربة « 1 » النبيذ من أسلافنا يشربون منه اليسير على الغداء والعشاء ، ومما لا يعرض منه خمار . وقد فرقت الشعراء بين النبيذ والخمر ، فقال الأقيشر ، وكان مغرما بالشراب : وصهباء جرجانية لم يطف بها * حنيف ، ولم تنغر بها ساعة قدر « 2 »
--> ( 1 ) شربة : جمع شارب . ( 2 ) نغرت القدر : غلت .