أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

71

العقد الفريد

. . . وكما أمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار للتنقية من الأذى ، فأجازوا كل ما أنقى من الخزف والخرق وغير ذلك ، وحملوه محمل الأحجار الثلاثة ، ولما حرمت الخمر بعلّة هي قائمة في النبيذ المسكر ، حمل النبيذ محمل الخمر في التحريم . قالوا : ووجدناهم يقولون لمن غلب عليه غنث « 1 » النفس وصداع الرأس من الخمر : مخمور ، وبه خمار ، ويقال مثل ذلك في شارب النبيذ ، ولا يقولون : منبوذ ولا به نباذ . والخمار مأخوذ من الخمر ، كما يقال الكباد في وجع الكبد ، والصدار في وجع الصدر . . . . وذهبوا في تحريم النبيذ إلى حديث أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه نهى أن ينبذ في الدباء والمزفّت « 2 » . . . . وقالوا : لمن أجاز قليل ما أسكر كثيره : إنه ليس بين شارب المسكر وموافقة السكر حد ينتهى إليه ولا يوقف عنده ، ولا يعلم شارب المسكر متى يسكر ، كما لا يعلم الناس متى يرقد ؛ وقد يشرب الرجل من الشراب المسكر قدحين وثلاثة أقداح ولا يسكر ، ويشرب منه غيره قدحا واحدا فيسكر ؛ لأنه قد يختلف طبع الرجل في نفسه ، فيسكر مرة من القدحين ، ويشرب مرة أخرى ثلاثة أقداح فلا يسكر . رسالة عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار في الأنبذة « أما بعد فإن الناس كان منهم في هذا الشراب المحرّم أمر ساءت فيه رعة « 3 » كثير منهم ، [ وجمعوا مما يغشون به مما حرم اللَّه حراما كثيرا نهوا عنه ] عند سفه أحلامهم ، وذهاب عقولهم ، فاستحلّ به الدم الحرام ، والفرج الحرام ؛ وأن رجالا

--> ( 1 ) غنثت نفسه : مالت إلى القيء . ( 2 ) الدباء : القرع . ( 3 ) رعة : الحرج والتوقي عن المحارم .