أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

63

العقد الفريد

يبيت يمصّ عتيق الشراب * كمصّ الوليد يخاف الفصالا « 1 » ويصبح مضطربا ناعسا * تخال من السّكر فيه احولالا ويمشي ضعيفا كمشي النزيف * تخال به حين يمشي شكالا « 2 » وممن شهر بالشراب عبد الرحمن بن عبد اللَّه الثقفي القاضي بالكوفة ، وفضح بمنادمة سعد بن هبّار ، وفيه يقول حارثة بن بدر : نهاره في قضايا غير عادلة * وليله في هوى سعد بن هبّار ما يسمع الناس أصواتا لهم عرضت * إلا دويّا ، دويّ النحل في الغار يدين أصحابه فيما يدينهم * كأسا بكأس وتكرارا بتكرار فأصبح الناس اطلاحا أضرّ بهم * حث المطيّ وما كانوا بسفّار « 3 » ومنهم أبو محجن الثقفي ، وكان مغرما بالشراب ، وقد حده سعد بن أبي وقاص في الخمر مرارا ، وشهد القادسية مع سعد ، وأبلى فيها بلاء حسنا ؛ وهو القائل : إذا مت فادفنّي إلى ظلّ كرمة * تروّي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني في الفلاة ، فإنني * أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها ثم حلف بالقادسية ألا يشرب خمرا أبدا ، وأنشأ يقول : إن كانت الخمر قد عزّت وقد منعت * وحال من دونها الإسلام والحرج فقد أباكرها صهباء صافية * طورا ، وأشربها صرفا وامتزج « 4 » وقد تقوم على رأسي مغنّية * فيها إذا رفعت من صوتها غنج فتخفض الصوت أحيانا وترفعه * كما يطنّ ذباب الرّوضة الهزج ومنهم عبد الملك بن مروان ، وكان يسمى حمامة المسجد ، لاجتهاده في العبادة قبل

--> ( 1 ) الفصال : الفطام . ( 2 ) الشكال : حبل تشد به قوائم الدابة . ( 3 ) الاطلاح : جمع طلح ، وهو المعيي الذي أدركه الكلال . ( 4 ) الصهباء : الخمر .