أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
55
العقد الفريد
الشراب ، فدع النبيذ وكن أول داخل وآخر خارج . فقال حارثة : أنا لم أدعه للَّه ، أفأدعه لك ؟ قال : فاختر من عملي ما شئت . قال : ولني رامهرمز ؛ فإنها أرض عذية « 1 » ، أو سرّق ؛ فإن بها شرابا وصف لي عنها . فولاه إياها ، فلما خرج شيعه الناس ، وكتب إليه أنس بن أبي أنيس : أحار بن بدر قد وليت ولاية * فكن جرذا فيها تخون وتسرق ولا تحقرن يا حار شيئا تخونه * فحظك من ملك العراقين سرّق وبار تميما بالغنى إنّ للغنى * لسانا به المرء الهيوبة ينطق « 2 » فإنّ جميع الناس إمّا مكذّب * يقول بما يهوى وإمّا مصدّق يقولون أقوالا ولا يعلمونها * ولو قيل يوما حققوا لم يحقّقوا وقّع حارثة في أسفل كتابه : لا بعد عنك الرشد . حارثة بن بدر في حرب الأزارقة ولما خرجت الأزارقة على أهل البصرة ، لاقاهم حارثة بن بدر وتولى حربهم في أصحابه من فرسان بني يربوع ، حتى أصيب في تلك الحروب . وقال فيه الشاعر : فلولا ابن بدر للعراقين لم يقم * لما قام فيه للعراقين إنسان إذا قيل من حامي الحقيقة أومأت * إليه معد بالأكفّ وقحطان وقال الشاعر : شربنا من الذّاذيّ حتى كأننا * ملوك لهم في كلّ ناحية وفر « 3 » فلما اعتلت شمس النهار رأيتنا * تخلّى الغنى عنا وعاودنا الفقر وكان أبو الهندي من ولد شبث بن ربعيّ الرياحي من بني يربوع وكان قد غلب
--> ( 1 ) العذيّة : الطيبة البعيدة عن الماء والوخم . ( 2 ) الهيوبة : الذي يهاب . ( 3 ) الذاذي : نبت حبه على شكل الشعير .