أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
48
العقد الفريد
الزبد من عصير العنب ، من غير أن تمسه نار ، ولا يزال خمرا حتى يصير خلا ، وذلك إذا غلبت عليه الحموضة وفارقتها النشوة ؛ لأن الخمر ليست محرّمة العين كما حرمت عين الخنزير ، وإنما حرمت لعرض دخل لها ، فإذا زايلها ذلك العرض عادت حلالا كما كانت قبل الغليان حلالا ، وعينها في كل ذلك واحدة ، وإنما انتقلت أعراضها من حلاوة إلى مرارة ، ومن مرارة إلى حموضة ، كما ينتقل طعم الثمرة إذا أينعت من حموضة إلى حلاوة والعين قائمة ، وكما ينتقل طعم الماء بطول المكث فيتغير طعمه وريحه والعين قائمة . ونظير الخمر فيما يحل ويحرم بعرض : المسك الذي هو دم عبيط « 1 » حرام ، ثم يجف ويجدد رائحة فيصير حلالا طيبا ، فهذه الخمر بعينها المجمع على تحريمها ؛ وأصحاب النبيذ إنما يدورون حولها ويتعللون أنهم يشربون ما دون المسكر ، ولا لذة لهم دون موافقة المسكر كما قال الشاعر : يدورون حول الشّيخ يلتمسونه * بأشربة شتى هي الخمر تطلب وقول القائل : إياك أعني فاسمعي يا جاره قيل للأحنف بن قيس : أي الشراب أطيب ؟ فقال : الخمر . قيل له : وكيف علمت ذلك وأنت لم تشربها ؟ قال : إني رأيت من أحلت له لا يتعدّاها ، ومن حرمت عليه إنما يدور حولها ! وقال ابن شبرمة : ونبيذ الزّبيب ، ما اشتدّ منه * فهو للخمر والطّلاء نسيب « 2 »
--> ( 1 ) دم عبيط : اي طريّ . ( 2 ) الطلاء : الخمر الذي يطبخ من عصير العنب .