أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
29
العقد الفريد
وأما الباذنجان فإنه غليظ لليبس وللزّوجة في طبعه . وأما الخبز فإنه غليظ لاجتماع الحالات الثلاث فيه . فأما السمك الصلب اللزج فإنه غليظ لاجتماع الصلابة واللزوجة فيه . وأما الآذان والشّفاه وأطراف العضو ، فإنها تولد كيموسا لزجا ليس بالغليظ وقد تولد ما يعرض من الأغذية الباردة عن هضمها وتلطيفها ، كالذي يعرض من أكل الفاكهة قبل نضجها ، ومن أكل الخيار والقثاء ، وشحم الأترج واللبن الحامض . فهذه الأطعمة الغليظة كلها إن صادفت بدنا حارا كثير التعب قليل الطعام كثير النوم بعيد الطعام انهضمت وغذت البدن غذاء كثيرا نافعا ، وقوّته تقوية كثيرة . وأحمد ما تستعمل هذه الأغذية في الشتاء ، لاجتماع الحرارة في باطن البدن وطول النوم ؛ ومتى أحس أحد في نومه نقصانا بيّنا وأكلها من يجد الحرارة في بدنه قليلة ولا سيما في معدته ، ومن تعبه قليل ونومه بعد الطعام قليل - لم يستحكم انهضامها ، وتولد منها في البدن كيموس غليظ حار يابس ، يتولد منه سدة في الكبد والطحال ؛ فلذلك ينبغي لمن أكل طعاما غليظا من غير حاجة إليه لعلة أو شهوة أن يقلّ منه ولا يعوّده ، ولا يدمنه . وما كان من الأطعمة الغليظة له مع غلظه لزوجة ، فهو أغذاها للبدن ؛ فإن لم ينهضم فهو أكثرها توليدا للسدد . الأطعمة المتوسطة بين اللطيفة والغليظة تصلح لمن كان بدنه معتدلا صحيحا ، ولم يكن تعبه كثيرا ؛ وأجود الأغذية له المتوسطة ، لأنها لا تنهكه ولا تضعفه كاللطيفة ، ولا تولد خاما « 1 » ولا سددا كالغليظة .
--> ( 1 ) الخام : غير الدم .