أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

25

العقد الفريد

الباطنة الغريزية إلى ظاهر البدن ويخلو منها باطنه ، فتضعف الحرارة في باطنه عن هضمه . فلذلك كانت القدماء تفضل العشاء على الغداء لما يلحق العشاء من اجتماع الحرارة على باطن البدن ، لبرد الليل والنوم ، ولأن الحرارة في النوم تبطئ ، ويسخن باطن البدن ويبرد ظاهره . واليقظة على خلاف ذلك ، لأن الحرارة تنتشر في ظاهر البدن وتضعف في باطنه . والذي يحتاج إلى كثرة الغذاء من الناس من كان الغالب على بدنه الحرارة ، وكانت معدته لحرارتها سريعة الانهضام ، وكانت كبده لحرارتها سريعة التوليد للمرة الصفراء ؛ فلذلك يحتاج إلى الأطعمة الغليظة البطيئة الانهضام ويستمرئها ، ويستمرئ لحم البقر ولا يستمرئ لحم الدجاج وما أشبهه من الأطعمة الخفيفة . ولا يصلح شيء من هذه إلا في وقت تحرّك الشهوة ، فإنه أفضل وقت يؤخذ فيه الطعام ؛ وللعادة في هذا حظ عظيم . ألا ترى أنه من اعتاد الغداء فتركه واقتصر على العشاء عظم ضرر ذلك عليه ؟ ومن كانت عادته أكلة واحدة فجعلها أكلتين لم يستمرئ طعامه ، ومن كانت عادته أن يجعل طعامه في وقت من الأوقات فنقله إلى غير ذلك الوقت أضر ذلك به ، وإن كان قد نقله إلى وقت محمود ؛ فيجب لذلك أن يتبع العادة إذا تقادمت فطالت ، وإن كانت ليست بصواب ، إذا لم يجد شيئا اضطره إلى نقله ؛ لأن العادة طبيعة ثانية كما ذكر الحكيم أبقراط ، فإن حدث شيء يدعوه إلى الانتقال عنها فأوفق الأمور في ذلك أن ينقل عنها قليلا قليلا . وللشهوة أيضا في استمراء الطعام أعظم الحظ ؛ لأنها دليل على الموافقة والملاءمة ، فمتى كان طعامان متساويان في الجودة ، وكانت شهوة المحتاج إليهما إلى أحدهما أميل ، رأينا إيثار المشتهي على الآخر ، لأنه أوفق للطبيعة ، وأسهل عليها في الاستمراء . ومتى كان أحدهما أجود من الآخر ، وكانت شهوة المحتاج إليهما أميل إلى أردئهما . اخترناه على الأجود إذا لم نخف منه ضررا لكثير ما ينال منه من المنفعة ، لقبول المعدة له واستمرائها إياه . فقد بان أنه يحتاج في حال الأغذية وجودة تخير الأطعمة إلى معرفة اختلاف الطبائع وحالاتها ؛ فقد بينت اختلاف طبائع الأبدان وحالاتها ، وما يجب على كل