أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

18

العقد الفريد

ميتة لئيمة ، لأنه قاتل نفسه ، وقاتل نفسه ألأم من قاتل غيره . أي بنيّ ، واللّه ما أدّى حقّ الركوع والسجود ذو كظة ، ولا خشع للَّه ذو بطنة ، والصوم مصحّة ، والوجبات « 1 » عيش الصالحين . أي بنيّ ، لأمر ما طالت أعمار الهند ، وصحت أبدان العرب ؛ وللَّه درّ الحارث بن كلدة إذ زعم أن الدواء هو الأزم ، فالداء كله من فضول الطعام ؛ فكيف لا ترغب في شيء يجمع لك صحة البدن ، وذكاء الذهن ، وصلاح الدين والدنيا ، والقرب من عيش الملائكة ! أي بني ، لم صار الضب أطول عمرا ؟ إلا لأنه يتبلغ بالنسيم ؛ ولم قال الرسول عليه الصلاة والسلام : إن الصوم وجاء « 2 » ؟ إلا لأنه جعله حجابا دون الشهوات ؛ فافهم تأديب اللّه عز وجل ، وتأديب رسوله عليه الصلاة والسلام . أي بني ، قد بلغت تسعين عاما ما نغضت لي سنّ ، ولا انتشر لي عصب ، ولا عرفت ذنين « 3 » أنف ، ولا سيلان عين ، ولا سلس بول ؛ ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد ؛ فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة ، وإن كنت تحب الموت فلا أبعد اللّه غيرك ! سياسة الأبدان بما يصلحها الحجاج وطبيبه : قال الحجاج بن يوسف للباذون طبيبه : صف لي صفة آخذ بها في نفسي ولا أعدوها . قال له : لا تتزوّج من النساء إلا شابة . ولا تأكل من اللحم إلا فتيّا ، ولا تأكله حتى تنعم طبخه ، ولا تشرب دواء إلا من علة ، ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها ، ولا تأكل طعاما إلا أجدت مضغه ، وكل ما أحببت من الطعام واشرب عليه ، فإذا

--> ( 1 ) الوجبة : اكلة واحدة في اليوم والليلة . ( 2 ) الوجاء : اي ان تدق عروق الخصيتين بين حجرين ، وهما بحالهما . ( 3 ) ذنين الانف : سيلان مخاطه .