أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

16

العقد الفريد

عيب الحمية : والأكلة كلهم يعيبون الحمية ، ويقولون ، الحمية إحدى العلتين . وقالوا : من احتمى فهو على يقين من المكروه وهو في شك من العافية ! وقالوا : الحمية للصحيح ضارّة وللعليل نافعة . الحمية وقولهم فيها قيل لبقراط : مالك تقل الأكل جدا ؟ قال : إني إنما آكل لأحيا ، وغيري يحيا ليأكل ! وأجمعت الأطباء على أن رأس الداء كلّه إدخال الطعام على الطعام . وقالوا : احذروا إدخال اللحم على اللحم ؛ فإنه ربما قتل السباع في القفر . وأكثر العلل كلها إنما يتولد من فضول الطعام . والحمية مأخوذة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : رأى صهيبا يأكل تمرا وبه رمد ، فقال « أتأكل تمرا وأنت أرمد ؟ » . ودخل على عليّ رضي اللّه عنه وهو عليل ، وبيده عنقود عنب ، فنزعه من يده . وقال عليه الصلاة والسلام : « لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب ، فإن اللّه يطعمهم ويسقيهم » . وقيل للحارث بن كلدة طبيب العرب : ما أفضل الدواء ؟ قال : الأزم « 1 » . يريد قلة الأكل ، ومنه قيل للحمية : الأزمة ، وللكثير أزمات . وقيل لآخر : ما أفضل الدواء ؟ قال : أن ترفع يدك عن الطعام وأنت تشتهيه . أبو الأشهب عن أبي الحسن قال : قيل لسمرة بن جندب : إن ابنك إذا أكل طعاما كظّه « 2 » حتى كاد أن يقتله . قال : لو مات ما صليت عليه !

--> ( 1 ) الأزم : الحمية . ( 2 ) كظه الطعام : أصبح لا يكاد يطيق التنفس .