أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
165
العقد الفريد
ثم نهض ونهضت إلى مجلسنا ، وأخذنا في لذتنا ، وهو مع ذلك يقول : يا إسحاق ، صف لي حالها ، واشرح لي أمرها ! فقطعنا يومنا في مذاكرتها إلى أن مضى النهار ، فلما أن مضى من الليل هدأة « 1 » جعل يقول : ما جاء الوقت ! وأنا أقول بقي قليل ؛ والقلق غالب عليه ، حتى جاء الوقت ، فنهضنا وخرجنا من بعض أبواب القصر ؛ معنا غلام ، وهو على حمار وأنا على حمار . فلما صرنا بالقرب من منزلها نزلنا ، ثم سلمنا الحمارين للغلام ، وقلنا له : انصرف ، فإذا كان الفجر فكن هاهنا بالحمارين وأقبلنا نمشي متنكرين وأنا أقول : يجب أن تظهر برّي بحضرتها وإكرامي . وتطرح نخوة « 2 » الخلافة وتجبّر الملك ، بل كن كأنك تبع لي ! وهو يقول : نعم أو يحتاج أن توصيني ؟ ثم قال : ويحك يا إسحاق ! فإن قلت لي غنّ كيف أصنع ؟ قلت : أنا أكفيك وأدفعها عنك برفق . فلما صرنا إلى الزقاق إذا بزنبيلين « 3 » معلقين بثمان حبال ، فقعد كل منا في واحد وجذبتا الجواري ، وإذا نحن في السطح ؛ وبادرن بين أيدينا حتى انتهينا إلى المجلس ، فأقبل المأمون يتأمل الفرش والدار والزّي ، ويتعجب عجبا شديدا ؛ ثم قعدت في موضعي الذي كنت أقعد فيه ، وقعد المأمون دوني في المرتبة ، ثم أقبلت فسلمت ، فما تمالك أن بهت من حسنها ، فقالت حيّا اللَّه ضيفنا ! فو اللَّه ما أنصفت ابن عمك ، ألا رفعت مجلسه ؟ فقلت ذلك إليك ، جعلت فداءك ! فقالت [ له ] : ارتفع فديتك فأنت جديد ، وهذا قد صار من أهل البيت ، ولكل جديد لذة ! فنهض المأمون حتى صار في صدر المجلس ، ثم أقبلت عليه تذاكره وتناشده وتمازحه ، وهو يأخذ معها في كل فن ، ويفخمها قال ثم التفتت إلي وقالت : وفيت بوعدك وصدقت في قولك ووجب شكرك على صنيعك ! قال : ثم أحضر نبيذ وأخذنا في الشراب ، وهي مع ذلك مقبلة عليه وهو مقبل عليها ، ومسرورة به
--> ( 1 ) الهدأة : الهدأ : الهزيع من الليل وهو من أوله إلى ثلثه . ( 2 ) النخوة : التعظم والافتخار . ( 3 ) الزنبيل : الجراب .