أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
162
العقد الفريد
فيه بالأمس ، على مثل حالنا وأفضل ، حتى إذا كان ذلك الوقت وثب قائما ، ثم قال يا إسحاق ، لا ترم « 1 » ، فإني أجيئك ، وقد عزمت على الصبحة . فما هو إلا أن فارقني حتى تصوّر لي ما كنت فيه ، فإذا هو شيء لا يصبر عنه إلا جاهل فنهضت . فقال لي الغلمان : اللَّه اللَّه . وإنه أنكر علينا تخليتك وطالبنا بك ، وقال ، لم تركتموه ؟ ولا نحسبك إلا تحب الإيقاع بنا . فقلت : واللَّه لا نال أحدكم بسببي مكروه أبدا . ولكن أبادر بحاجتي ، واللَّه لا كان لي حبس ولا تريّث ، وأمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه إذا دخل أبطأ ، وأنا موافيكم قبل خروجه إن شاء اللَّه . قال : فمضيت ، فما شعرت إلا وأنا في الزقاق ، فوافيت الزنبيل على ما كان عليه فأقعدت فيه وأصعدت ، وصرت إلى الموضع [ الذي كنت فيه البارحة ] ، فلم ألبث إلا هنيهة وإذا بها قد طلعت ، فقالت : ضيفنا ؟ قلت : إي واللَّه . قالت : أو قد عاودت ؟ قلت : نعم ، وأظنّ أني قد أثقلت . فقالت : مادح نفسه يقرئك السلام فقلت : هفوة ، فمني بالصفح ، قالت : قد فعلنا فلا تعد ، قلت : إن شاء اللَّه . ثم جلست ، وأخذنا فيما كنا فيه من المذاكرة والإنشاد والشرب ، ولم نزل على تلك الحال وأفضل ، وقد أنست وانبسطت بعض الانبساط ، وهي مع ذلك لا تزال تقول : لو كنت على ما أنت عليه أحكمت من تلك الصنعة شيئا ، لقد تناهيت وبرعت . فأقول : واللَّه لقد حرصت على ذلك وجهدت فيه فما رزقته ولا قدرت عليه . ثم قلت : جعلت فداك ، لا تخلينا مما كان من فضلك البارحة . فأخذت في الأغاني ، وكلما مر صوت طيب قالت : أتدري لمن هذا ؟ فأقول : لا ! فتقول : لإسحاق ! فأقول : وإسحاق هكذا في الحذق ! فتقول . بخ إسحاق في هذا البيت بديع الصوت ، وعميق الغناء . فأقول : سبحان اللَّه ! لقد أعطي إسحاق هذا ما لم يعطه أحد ! فتقول : لو سمعت هذا منه لكنت أشدّ استحسانا له وكلفا به . حتى إذا كان ذلك الوقت وجاءت العجوز ، نهضت وودعتها ، وبادرت جارية ففتحت الباب فخرجت منه .
--> ( 1 ) لا ترم : لا تهم بشيء .