أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
160
العقد الفريد
بأحاديث حسان ، ولقد كثر تعجبي من أن يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذا ، وإنما هذا من أحاديث الملوك ، وما لا يتحدّث به إلا عند ملك أو خليفة . فقلت : جعلت فداك ، كان لي جار ينادم بعض الملوك ، وكان حسن المعرفة كثير الحفظ ؛ فكان ربما تعطل عن نوبته التي كان يذهب فيها إلى دار صاحبه ؛ لشغل يمنعه من ذلك ، أو لأمر يقطع ، فأمضى إليه ، وأعزم عليه ، وأصيّره إلى منزلي ؛ فربما أخبرني من هذه الأحاديث شيئا ، إلى أن صرت من خاصة أخدانه وممن كان لا يفارقه ؛ فما سمعت مني فمنه أخذته ، وعنه استفدته . فقالت : يجب أن يكون هذا كذا . ولعمري لقد حفظت فأحسنت الحفظ ، وما هذا إلا لقريحة جيدة وطبع كريم . قال إسحاق : وأخذنا في الشراب والمذاكرة : أبتدئ الحديث ، فإذا فرغت ابتدأت هي في آخر ، حتى قطعنا بذلك عامة الليل ، والندّ « 1 » وفائق البخور يجدّد ، وأنا في حالة لو توهمها المأمون أو تأملها لاستطار سرورا وفرحا . ثم قالت لي : يا فلان - وكنت قد غيرت عليها اسمي وكنيتي - واللَّه إني لأراك كاملا ، وإنك في الرجال لفاضل ، وإنك لوضيء الوجه ، مليح الشكل ، بارع الأدب ؛ وما بقي عليك إلا شيء واحد حتى تكون قد برّزت وبرعت . فقلت : وما هو يا سيدتي ، دفع اللَّه الأسواء عنك ؟ قالت : لو كنت تحرّك بعض الملاهي ، أو تترنم ببعض الأشعار . فقلت : واللَّه [ إني كنت ] قديما أشتهيه ، وطالما كلفت به وحرصت عليه ، فلم أرزقه ولا يعلق بي شيء منه ؛ فلما طال عنائي به ، وكلما تقدمت في طلبه كنت منه أبعد وعنه أذهب ، تركته وأعرضت عنه ، وإن في قلبي من ذلك لحرقة ، وإني لمستهتر به مائل إليه ، وما أكره أن أسمع في مجلسي هذا من جيّده شيئا ؛ لتكمل ليلتي ويطيب عيشي ! قالت : كأنك قد عرّضت بنا . قلت : لا واللَّه ما هو تعريض ، وما هو إلا تصريح ؛ وأنت بدأت بالفضل ، وأنت أولى من أتمّ ما بدأ به . فقالت : يا جارية : عود . فأحضرت عودا ، فأخذته ، فما هو إلا أن جسّته حتى ظننت أن الدار قد سارت بي وبمن فيها ، واندفعت تغني ، مع صحة أداء وجودة صوت .
--> ( 1 ) الندّ : ضرب من النبات يتبخر بعوده .