أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

155

العقد الفريد

وأخذت معي ألف دينار ، ومطرف « 1 » خزّ ؛ ثم خرجنا حتى أتينا بلاد كلب ، فإذا الشيخ في نادي الحيّ ، فسلمت عليه ، فقال : وعليك السلام ، من أنت ؟ فقلت : عمر بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي . قال : المعروف غير المنكور ، فما الذي جاء بك ؟ قلت : جئتك خاطبا ، قال : أنت الكفء لا يرغب عن وصله ، والرجل الذي لا يردّ عن حاجته . قال : قلت : إني لم آتك لنفسي وإن كنت في موضع الرغبة ، ولكنني أتيتكم لابن أختكم العذري . قال : واللَّه إنه لكفء الحسب ، كريم النسب ؛ غير أن بناتي لم يعرفن هذا الحي من قريش . قال : فعرف الجزع من ذلك في وجهي ؛ فقال : أما إني أصنع في ذلك ما لم أصنعه قط لغيرك ؛ أخيّرها في نفسها ، فهي وما اختارت . فقلت : خيّرها . فأرسل إليها : إن من الأمر كذا وكذا ، فالرأي رأيك . فقالت : ما كنت لأستبدّ برأي دون رأي القرشي ، خياري ما اختار . قال : قد ردّت الأمر إليك . فحمدت اللَّه وصليت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقلت : قد زوجتها العذريّ [ الجعد بن ] مهجع . وأصدقتها عنه الألف دينار ، وجعلت تكرمتها العبد والبعير والقبّة ، وكسوت الشيخ المطرف ، فسرّ به ، وسألته أن يبني بها من ليلته ، فأجابني إلى ذلك ؛ فضربت القبة في وسط الحيّ ، وأهديت إليه ليلا ، وبت عند الشيخ في خبر مبيت ، فلما أصبحت غدوت فقمت بباب القبة ، فخرج إليّ وقد تبين الجذل فيه ، فقلت : كيف كنت بعدي أبا مسهر ؟ قال : أبدت لي كثيرا مما كانت تخفيه يوم رأيتها . فقلت : أقم عند أهلك بارك اللَّه لك ! ثم انطلقت إلى أهلي وأنا أقول : كفيت الفتى العذريّ ما كان نابه * ومثلي لأثقال النّوائب يحمل « 2 » أما استحسنت منّي المكارم والعلا * إذا صرّحت أنّي أقول وأفعل

--> ( 1 ) المطرف : رداء أو ثوب من خز مربع ذو اعلام . ( 2 ) النوائب : المصائب .