أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

137

العقد الفريد

إلى رجل قد أقبل يريد أن يسأله ، تناول حبة فأكلها ، فيكفي الرجل السؤال ونفسه الردّ ! قال رقبة بن مصقلة : سفه علينا الأعمش يوما ، فقالت امرأته من وراء ستر : احملوا عنه ، فو اللَّه ما يمنعه من الحج منذ ثلاثين سنة إلا مخافة أن يلطم كريّه « 1 » أو يشتم رفيقه . طلبت بنت الأعمش من الأعمش حاجة ، فحجبها بالردّ ، فقالت : واللَّه ما أعجب منك ، ولكني أعجب من قوم زوّجوك ! ودخل رقبة بن مصقلة على الأعمش ، فقال : واللَّه إنا لنأتيك فما تنفعنا ، ونتخلف عنك فما تضرّنا ، وإن الوقوف إليك لذلّ ، وإن تركك لحسرة ؛ تسأل الحكمة فكأنما تسعط « 2 » الخردل ، وما أشبهك إلا بالصماخيفون « 3 » ، فإنه كريه الشربة نافع للمعدة ! فرفع الأعمش رأسه وقال : من هذا المتكلم ؟ فقيل له : رقبة بن مصقلة فنكس رأسه . وقال رجل من تلاميذ الأعمش : صنعت للأعمش طعاما ثم دعوته ، فمضى معي وأنا أقوده ، حتى سقطت رجله في حفرة يعملها الصبيان للكرة ، فقال : ما هذا ؟ قلت حفرة يعملها الصبيان للكرة . قال : لا . ولكنك حفرتها لتقع رجلي فيها ! واللَّه لا أكلت عندك يومي هذا طعاما ! قال : فحملت الطعام إليه ، ثم صنعت له بعد ذلك طعاما ودعوته إليه ، فقال : ادخل بنا الحمام قبل ذلك . فأدخلته الحمام ، فلما جئت لأصبّ الماء الحارّ على رأسه ، قال : ما دعاك إلى هذا أردت أن تسلخ قفاي ! واللَّه لا أكلت عندك يومي هذا طعاما ! قال : فحملت الطعام إليه ! وكثر الشعر على الأعمش ، فقلت له : لم لا تأخذ من شعرك ؟ قال : لا أجد حجّاما يسكت حتى يفرغ . قلنا له : فإنا نأتيك بحجام ونتقدّم إليه أن يسكت حتى يفرغ . قال : فافعلوا !

--> ( 1 ) كريّه : المكاري . ( 2 ) يسعط الخردل : اي يدخل الخردل في انفه . ( 3 ) لم نقع على هذه الكلمة من لسان العرب ، وقد يكون اسما لدواء معين .