أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
135
العقد الفريد
صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من كان فيه خصلتان كتب عند اللَّه خالصا مخلصا » . قالوا إن هذا حديث حسن ؛ فما هاتان الخصلتان ؟ قال : نسي نافع واحدة ! ونسيت أنا الأخرى ! وقال أشعب : رأيت رؤيا نصفها حق ونصفها باطل . قالوا كيف ذلك ؟ قال : رأيتني أحمل بدرة « 1 » ، فمن شدة ثقلها عليّ كنت اسلح في ثيابي ، ثم انتهيت ، فإذا أنا بالسلح ولا بدرة ! ساوم أشعب رجلا بقوس ، فقال : أقلّ ثمنها دينار . قال أشعب : واللَّه لو أنك إذا رميت بها طائرا في السماء وقع مشويا بين رغيفين ، ما اشتريتها منك بدينار أبدا ! وقيل لأشعب : خففت صلاتك . قال : لأنها صلاة لا يخالطها رياء ! وضرب الحجاج أعرابيا سبعمائة سوط ، وهو يقول عند كل سوط : شكرا لك يا رب ! فلقيه أشعب فقال : أتدري لم ضربك الحجاج سبعمائة سوط ؟ قال : ما أدري . قال : لكثرة شكرك ؛ اللَّه تعالى يقول : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ « 2 » فقال : يا ربّ لاشكر فلا تزدني * أسأت في شكرك فاعف عني باعد ثواب الشاكرين مني وسأل رجل أشعب أن يسلفه ويؤخّره ، فقال هاتان حاجتان ، فإذا قضيت لك إحداهما فقد أنصفت . قال الرجل : رضيت . قال : فأنا أؤخرك ما شئت ولا أسلفك ! أبو حاتم عن الأصمعي عن أبي القعقاع قال : رأيت أشعب في السوق يبيع قطيفه « 3 » ويقول للمشتري : أريد أن أبرأ إليك من عيب . قال : وما ذاك ؟ قال : يحترق تحتها من دفن فيها . قال أشعب : من بال ولم يضرط كتب من الكاظمين الغيظ . وقيل لأشعب : هل خلق خلق أطمع منك ؟ قال : نعم ، أمّي ، فإني كنت إذا جئتها
--> ( 1 ) البدرة : كيس فيه مقدار من المال يتعامل به : ويقدم في العطايا . ( 2 ) سورة إبراهيم الآية 7 . ( 3 ) القطيفة : كساء له أهداب ، ودثار أو فراش ذو أهداب كأهداب الطنافس .