أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
104
العقد الفريد
وهي تسمعني ، فقالت : هذا قليل لمن دهته * بلحظها الأعين المراض فأجبتها : فهل لمولاي عطف قلب * أو للّذي في الحشا انقراض ؟ فأجابتني فقالت : إن كنت تبغي الوداد منّا * فالودّ في ديننا قراض « 1 » قال دعبل : فلم أعلمني [ قبلها ] خاطبت جارية تقطع الأنفاس بعذوبة ألفاظها وتختلس الأرواح ببراعة منطقها ، وتذهل الألباب برخيم نغمتها ، مع تلاعة جيد « 2 » ، ورشاقة قد ، وكمال عقل ، وبراعة شكل ، واعتدال خلق ؛ فحار واللَّه البصر ، وذهب اللّب ، وجل الخطب ، وتلجلج اللسان ، وتغللت الرّجلان ؛ وما ظنك بالحلفاء « 3 » إذا دنت من النار ؟ ثم ثاب إليّ عقلي ، وراجعني حلمي ، فذكرت قول بشار : لا يمنعنّك من مخدّرة * قول تغلّظه وإن جرحا عسر النساء إلى مياسرة * والصّعب يمكن بعد ما جمحا « 4 » هذا لمن حاول ما دون الطمع فيه اليأس منه ، فكيف بمن وعد قبل المسألة ، وبذل قبل الطلبة ؟ فقلت مسمعا لها : أترى الزمان يسرّنا بتلاق * ويضم مشتاقا إلى مشتاق ؟ فقالت مجيبة لي في أسرع من نفس : ما للزّمان يقال فيه وإنما * أنت الزمان فسرّنا بتلاق ! قال دعبل : فلحظتها ومضيت وتبعتني ، وذلك في أيام إملاقي ، فقلت : مالي إلا منزل مسلم صريع الغواني ، فسرت إلى بابه ، فاستوقفتها وناديته ، فخرج : فقلت له :
--> ( 1 ) أي مقارضة ومجازاة . ( 2 ) التلاعة : الطول . ( 3 ) الحلفاء : نبت أطرافه محددة كأطراف سعف النخل ، ( 4 ) جمح الرجل : ركب هواه فلا يمكن ردّه .