أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
92
العقد الفريد
يا معشر النمر ، نزعت إليكم غريبا حزينا ، فانظروا لي امرأة اتزوّجها . قد أذلها الفقر ، وأدّبها الغنى ، لها حسب وجمال . فزوّجوه على هيئة ما طلب ، فقال : إني لا أقيم فيكم حتى أعلمكم أخلاقي : إني غيور فخور نفور ؛ ولكني لا أغار حتى أرى ، ولا أفخر حتى أفعل ، ولا آنف حتى أظلم . فأقام فيهم حتى ولد له غلام سماه خليفة ، ثم بدا له ان يرتحل عنهم ، فجمعهم ثم قال : يا معشر النمر ، إن لكم عليّ حقا ، وأنا أريد أن أوصيكم ، فآمركم بخصال ، وأنهاكم عن خصال : عليكم بالأناة ، فإن بها تنال الفرصة ؛ وسوّدوا من لا تعابون بسؤدده ؛ وعليكم بالوفاء ، فإن به يعيش الناس ؛ وباعطاء ما تريدون إعطاءه قبل المسألة ؛ ومنع ما تريدون منعه قبل القسم ؛ وإجارة الجار على الدهر ؛ وتنفيس المنازل ؛ [ عن بيوت اليتامى ، وخلط الضيف بالعيال ] وأنهاكم عن الرهان ، فإني به ثكلت مالكا . وأنهاكم عن البغي ، فإنه صرع زهيرا . وعن السرف في الدماء ، فإن يوم الهباءة أورثني الذلّ ، ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق ولا تردّوا الأكفاء عن النساء فتحوجوهنّ إلى البلاء ؛ فإن لم تجدوا الأكفاء فخير أزواجهن القبور ؛ واعلموا اني أصبحت ظالما مظلوما : ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكا ، وظلمت بقتلي من لا ذنب له . الفاكه وزوجته هند في ريبة كان الفاكه بن المغيرة المخزومي أحد فتيان قريش ، وكان قد تزوج هند ابنة عتبة ، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس فيه بلا اذن ، فقال يوما في ذلك البيت وهند معه ؛ ثم خرج عنها وتركها نائمة ، فجاء بعض من كان يغشى البيت . فلما وجد المرأة نائمة ولّى عنها ، فاستقبله الفاكه بن المغيرة ، فدخل على هند وأنبهها ، وقال : من هذا الخارج من عندك ؟ قالت : واللّه ما انتبهت حتى أنبهتني ، وما رأيت أحدا قط .