أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

90

العقد الفريد

رجل لم تعرفيه ، وقرين لم تألفيه ، فكوني له أمة يكن لك عبدا ، واحفظي له خصالا عشرا تكن لك ذخرا : أما الأولى والثانية ، فالخشوع له بالقناعة ، وحسن السمع له والطاعة ؛ وأما الثالثة والرابعة ، فالتفقد لموضع عينه وأنفه ، فلا تقع عينه منك على قبيح ، ولا يشم منك إلا أطيب ريح ؛ وأما الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت منامه وطعامه ، فإن حرارة الجوع ملهبة ، وتغيص النوم مغضبة ؛ وأما السابعة والثامنة ، فالاحتفاظ بماله ، والإرعاء على حشمه وعياله ، وملاك الأمر في المال حسن التقدير ، وفي العيال حسن التدبير ؛ وأما التاسعة والعاشرة فلا تعصنّ له أمرا ، ولا تفشنّ له سرّا ؛ فإنك إن خالفت أمره أو غرت صدره ، وإن أفشيت سرّه لم تأمني غدره ؛ ثم إياك والفرح بين يديه إذا كان مهتما ، والكآبة بين يديه إذا كان فرحا . فولدت له الحارث بن عمرو ، جدّ امرئ القيس الشاعر . زرارة ولقيط وابنة ذي الجدين الشيباني قال : حدثنا بعض أصحابنا ، ان زرارة بن عدس نظر إلى ابنه لقيط فقال : مالي أراك مختالا ؟ كأنك جئتني بابنة ذي الجدّين أو مائة من هجائن « 1 » النعمان ! فقال : واللّه لا يمسّ رأسي دهن حتى آتيك بهما أو أبلي عذرا ! فانطلق حتى اتى ذا الجدين - وهو قيس بن مسعود الشيباني - فوجده جالسا في نادي قومه من شيبان ، فخطب إليه ابنته علانية ؛ فقال له : هلا ناجيتني ؟ قال : ومن أنت ؟ قال : لقيط بن زرارة ، قال : لا جرم ، لا تبيتن فينا عزبا ولا محروما ! فزوّجه وساق عنه المهر ، وبنى بها من ليلته تلك . ثم خرج إلى النعمان ، فجاء بمائتين من هجائنه ؛ وأقبل إلى أبيه وقد وفى نذره فبعث إليه قيس بن مسعود بابنته مع ولده بسطام بن قيس ؛ فخرج لقيط يتلقاها في الطريق ومعه ابن عم له يقال له قراد ، فقال لقيط :

--> ( 1 ) الهجائن من الإبل : البيض الكرام .