أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

84

العقد الفريد

من سوء الاختيار ونظير هذا من سوء الاختيار ، ما تخيّره أهل الحذق بالغناء والصانعون للألحان من الشعر القديم والحديث ؛ فإنهم تركوا منه الذي هو أرق من الماء ، وأصفى من الهواء ؛ وكلّ مدني رقيق ، قد غذي بماء العقيق ، وغنّوا بقول الشاعر : فلا أنسى حياتي ما * عبدت اللّه لي ربا وقلت لها أنيليني * فقالت تعرف الذّنبا ! « 1 » ولو تعلم ما بي لم * تر الذنب ولا العتبا وأقلّ ما كان يجب في هذا الشعر ، أن يضرب قائله خمسمائة ، وصانعه أربعمائة ، والمغنّي به ثلاثمائة ، والمصغي إليه مائتين ! ومثله : كأنها الشمس إذا ما بدت * تلك التي قلبي لها يضرب تلك سليماي إذا ما بدت * ومن أنا في ودّها أرغب كأنّ في النفس لها ساحرا * ذاك الذي علمه المذهب يعني المذهب الحبي ومثله : يا خليلي ، أنتما عللاني * بين كرم مزهر وجنان خبّراني أين حلت منايا * يا عباد اللّه لا تكتماني إنما حلت بواد خصيب * ينبت الورس مع الزعفران « 2 » حلفا باللّه لو وجداني * غرقا في البحر ما أنقذاني ومثله : أبصرت سلمى من منى * يوما فراجعت الصّبا يا درّة البحر متى * تشهد سوقا يشترى ومثله : يا معشر الناس هذا * أمر وربّي شديد لا تعنفي يا فلانه * فإنّني لا أريد

--> ( 1 ) أنيليلني : أعطيني . ( 2 ) الورس : نبت يستعمل لتلوين الملابس الحريرية ، لاحتوائه على مادة حمراء .