أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
73
العقد الفريد
يعزب عني ؛ لحسن ما رأيت ، وشجو ما سمعت ؛ تلك هي الذلفاء التي يقول فيها الشاعر : إنما الذّلفاء ياقوتة * أخرجت من كيس دهقان « 1 » شراؤها على أخي ألف ألف درهم ، وهي عاشقة لمن باعها ، واللّه إني من لا يموت إلا بحزنها ، ولا يدخل القبر إلا بغصّتها ، وفي الصبر سلوة ، وفي توقّع الموت نهية ؛ قم أبا زيد فاكتم المفاوضة ؛ يا غلام ، ثقّله ببدرة . فأخذتها وانصرفت . قال أبو زيد : فلما أفضت الخلافة إلى سليمان ، صارت الذلفاء إليه ، فأمر بفسطاط « 2 » ، فأخرج على دهناء الغوطة ، وضرب في روضة خضراء مونقة زهراء ذات حدائق بهجة ، تحتها أنواع الزهر الغض ، من بين أصفر فاقع ، وأحمر ساطع ، وأبيض ناصع ؛ فهي كالثوب الحرمي وحواشي البرد الاتحميّ « 3 » يثير منها مرّ الرياح نسيما يربي على رائحة العنبر ، وفتيت المسك الأذفر ، وكان له مغن ونديم وسمير ، يقال له سنان ، به يأنس ، وإليه يسكن ، فأمره ان يضرب فسطاطه بالقرب منه ، وقد كانت الذلفاء خرجت مع سليمان إلى ذلك المتنزّه ، فلم يزل سنان يومه ذلك عند سليمان ، في أكمل سرور ، وأتم حبور ، إلى أن انصرف مع الليل إلى فسطاطه ، فنزل به جماعة من اخوانه ، فقالوا له : قرانا أصلحك اللّه قال : وما قراكم ؟ قالوا أكل وشرب وسمع . قال : أما الأكل والشرب فمباحان لكم ، وأما السماع فقد عرفتم شدة غيرة أمير المؤمنين ونهيه إياي عنه ، إلا ما كان في مجلسه . قالوا : لا حاجة لنا بطعامك وشرابك وإن لم تسمعنا . قال : فاختاروا صوتا واحدا أغنيكموه . قالوا : غنّنا صوت كذا . قال : فرفع عقيرته يتغنى بهذه الأبيات : محجوبة سمعت صوتي فأرّقها * في آخر اليل لمّا ظلّها السحر تثني على الخدّ منها من معصفرة * والحلي باد على لبّاتها خضر « 4 »
--> ( 1 ) دهقان : تاجر . ( 2 ) الفسطاط : بيت يتخذ من الشعر . ( 3 ) الأتحمي : ضرب من البرود . ( 4 ) معصفرة : إناء يوضع فيه العصفور ، والعصفر : نبات يستخرج منه صبغ أحمر ، يصبغ به الحرير ونحوه .