أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

68

العقد الفريد

وقال المأمون في قينة له : لها في لحظها لحظات حتف * تميت بها وتحيي من تريد فإن غضبت رأيت الناس قتلي * وإن ضحكت فأرواح تعود وتسبي العالمين بمقلتيها * كأنّ العالمين لها عبيد وأنشد البحتري في قينة له : أمازحها فتغضب ثم ترضى * وفعل جمالها حسن جميل فإن تغضب فأحسن ذات دلّ * وإن ترضى فليس لها عديل وقال المعتز في قينة له : فأمسيت في ليلين للشّعر والدّجا * وشمسين من كأس ووجه حبيب وقال هارون الرشيد في قينة له رحمه اللّه : تبدي صدودا وتخفي تحته مقة * فالنّفس راضية والطرف غضبان « 1 » يا من وضعت له خدّي فذلّله * وليس فوقي سوى الرحمن سلطان وقال إبراهيم الشيباني : القينة لا تخلص محبة لأحد ، ولا تؤتى إلا من باب طمع . وقال علي بن الجهم : قلت لقينة : هل تعلمين وراء الحبّ منزلة * تدني إليك فإنّ الحبّ أقصاني « 2 » فقالت : تأتي من باب الذهب ، وأنشدت : اجعل شفيعك منقوشا تقدّمه * فلم يزل مذنبا من ليس بالدّاني « 3 » أشعب وقينة وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة فجلس عندها يوما يطارحها الغناء ؛ فلما أراد الخروج قال لها : نوّليني خاتمك أذكرك به . قالت : إنه ذهب ، وأخاف ان تذهب ؛

--> ( 1 ) المقة : المحبة . ( 2 ) أقصاه : أبعده . ( 3 ) الشفيع : الذي يتوسل إليه بوسيلة .