أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

66

العقد الفريد

فأجابته : خيرا رأيت وكل ما أبصرته * ستناله منّي برغم الحاسد وتبيت بين خلاخلي ودمالجي * وتجول بين مراسلي ومجاسدي « 1 » فنكون أنعم عاشقين تعاطيا * ملح الحديث بلا مخافة راصد فلما مدت يدها لترمي إليه بالسحاءة ، رفع الواثق رأسه فأخذ السحاءة من يدها ، وقال لهما : ما هذه ؟ فحلفا له أنه لم يجر بينهما قبل هذا كلام ولا كتاب ولا رسول غير اللحظ ، إلا أن العشق قد خامرهما . فأعتقها وزوّجها منه ، فلما أشهد له وتم النكاح ، أقامها الواثق إلى بيت من بعض البيوت ، فوقع بها ثم خرج فقال له : أردت أن تكشّخني « 2 » فيها وهي خادمتي ، فقد كشختك فيها وهي زوجتك ! . يزيد ومسلمة في حبابة : قال : ولما كلف يزيد بحبابة واشتغل بها وأضاع الرعية ، دخل عليه مسلمة أخوه فقال : يا أمير المؤمنين ، تركت الظهور للعامّة ، والشهود للجمعة ، واحتجبت مع هذه الأمّة ! فارعوي قليلا وظهر للناس ؛ فأوصت حبابة إلى الأحوص أن يقول أبياتا يهوّن فيها على يزيد ما قال مسلمة ؛ فقال وغنّت بها حبابة : ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا * فقد منع المحزون أن يتجلدا إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى * فكن حجر - من يابس الصخر جلمدا هل العيش إلا ما تلذ وتشتهي * وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا فلما سمعها ضرب بجربّانه « 3 » الأرض وقال : صدقت صدقت ؛ على مسلمة لعنة اللّه ! ثم عاد إلى سيرته الأولى .

--> ( 1 ) الدّملج : سوار يحيط بالعضد . ( 2 ) الكشخان : الديوث . ( 3 ) الجربّان : جيب القميص ، أو غمد السيف ، أو حده .