أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
57
العقد الفريد
طرب للصوتين ولم يندّ لي بشيء ، قلت : هو الثالث وإلا فعليه السلام . قال : فغنيته الثالث من غناء ابن سريج قول عمر بن أبي ربيعة ، ويقال إنها لجميل : ما زلت أمتحن الدّساكر دونها * حتى ولجت على خفيّ المولج « 1 » فوضعت كفّي عند مقطع خصرها * فتنفّست نفسا ولم تتلهّج قالت : وحقّ أخي وحرمة والدي * لأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج فخرجت خيفة قولها فتبسّمت * فعلمت أن يمينها لم تحرج فرشفت فاها آخذا بقرونها * رشف النزيف ببرد ماء الحشرج فصاح الهاشمي : أوّه ! أحسن واللّه وأحسنت ! وأمر لي بألف درهم وثلاثين حلة وخلعة كانت عليه . وغنى ابن سريج رجلا من بني هاشم بقول جرير : بعثن الهوى ثم ارتمين قلوبنا * بأسهم أعداء وهنّ صديق وما ذقت طعم العيش منذ نأيتم * وما ساغ لي بين الجوانح ريق قال : فخطف من ثوبه ذراعا ، وقال : هذا واللّه العقيان في نحور القيان ! مديني وجارية تغني : قال : وصحب شيخ من أهل المدينة شابّا في سفينة ومعهم جارية تغني ، فقال له : إن معنا جارية تغني ، ونحن نجلّك ؛ فإذا أذنت لنا فعلنا . قال : فأنا أعتزل وافعلوا ما شئتم . فتنحّى وغنت الجارية : حتى إذا الصّبح بدا ضوؤه * وغابت الجوزاء والمرزم « 2 » أقبلت والوطء خفيّ كما * ينساب من مكمنه الأرقم « 3 » فرمى الناسك بنفسه في الفرات وجعل يخبط بيديه ويقول : أنا الأرقم ! فأخرجوه
--> ( 1 ) دساكر : جمع دسكرة ، وهي بناء كالقصر حوله بيوت للأعاجم فيها الشراب والملاهي . ( 2 ) المرزم : اسم لعدد من النجوم . ( 3 ) الأرقم : ذكر الحيات أو أخبثها .