أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
54
العقد الفريد
عثمان بن حيان وابن أبي عتيق في تحريم الغناء : وكان ابن أبي عتيق من نبلاء قريش وظرفائهم ؛ فمن ظريف أخباره : أن عثمان بن حيان المرّي لما دخل المدينة واليا عليها ، اجتمع إليه الأشراف من قريش والأنصار ، فقالوا له : إنك لا تعمل عملا أحرى ولا أولى من تحريم الغناء والرثاء . ففعل ، وأجّلهم ثلاثا ؛ فقدم ابن أبي عتيق في الليلة الثالثة ، وكان غائبا ، فحط رحله بباب سلّامة الزرقاء ، وقال : بدأت بك قبل أن أصير إلى منزلي ! قالت : أو ما تدري ما حدث بعدك ؟ وأخبرته الخبر ؛ فقال : أقيمي إلى السّحر حتى ألقاه . فلقيه ، فأخبره أنه إنما أقدمه حبّ التسليم عليه ، وقال له : إن أفضل ما عملت تحريم الغناء والرثاء . فقال : إن أهلك أشاروا عليّ بذلك . فقال : إنهم وفّقوا ووفّقت ، ولكني رسول امرأة إليك تقول : قد كانت هذه صناعتي فتبت إلى اللّه منها ، وأنا أسألك أيها الأمير أن لا تحول بينها وبين محاورة قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ! فقال عثمان : إذا أدعها . فقال : إذا لا تدعك الناس ؛ ولكن تدعو بها فتنظر إليها ، فإن كان يجوز تركها تركتها . قال : فادع بها . فأمر ابن أبي عتيق فتنقّبت وأخذت سبحة « 1 » في يدها ، وصارت إليه ، فحدّثته عن مآثر آبائه ، ففكه بها فقال ابن أبي عتيق : أريد أن أسمع الأمير قراءتها . ففعلت ؛ فحركه حداؤها . ثم قال له ابن أبي عتيق : فكيف لو سمعتها في صناعتها التي تركتها ! فقال له : قل لها فلتغنّ . فغنت : شددت خصاص البيت لما دخلته * بكلّ بنان واضح وجبين « 2 » فنزل عثمان عن سريرة ثم جلس بين يديها ، وقال : لا واللّه ما مثلك يخرج عن المدينة ! فقال ابن أبي عتيق : يقول الناس : أذن لسلّامة ومنع غيرها ! فقال له : قد أذنت لهم جميعا ! وذكر لابن أبي عتيق أن المخنثين خصوا ، وأنه خصي فلان فيهم - لواحد منهم
--> ( 1 ) السّبحة : خرزات منظومة للتسبيح . ( 2 ) اخصاص : جمع خصاصة ، وهي الفرجة أو الخلل أو الخرق .